اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فضل الله: ما يُطرح هو الاستسلام الكامل ولن نسمح به 

تحقيقات ومقابلات

عن
تحقيقات ومقابلات

عن "رؤيا الخميس".. ونبأ الشهادة

127

في ليلةٍ من ليالي البقاع الهادئة؛ وقف "حسن" عند حافة الحلم كما يقف المسافر عند عتبة الرحيل، فرأى ما يشبه نافذةً على الغيب تُفتح فجأة، ويطلّ منها وجهٌ يعرفه ويأنس به.. كان صديقه الشهيد حسن خليفة يقترب منه بخطى لا تسمع، ولكنها تُوجِع؛ يضع يده على كتفه ويهمس: "اكتب وصيّتك.. الخميس موعدك؛ لقد اشتقت إليك، وحان اللقاء".

استفاق "حسن"، وفي صدره انقباضة العارف، وفي عينيه الضوء الذي يُشبه ابتسامة من يعرف الطريق قبل أن يسلكه. ولم يكن بعد ذلك بحاجة إلى كلمات كثيرة؛ فمن يودّعه الحلم، تتأهّب روحه قبل جسده.

يروي لنا عليّ أخ الشهيد هذه الحكاية؛ كما لو أنّ الكلمات تُستخرج من أعماق روحه لا من ذاكرته. يقول إنّ حسن محمد الحرشي ابن سحمر في البقاع الغربي، والمولود في الثاني من أيار 1993، كان واحدًا من أولئك الشبان الذين يزنون خطواتهم بميزان الفكر كما يزنونها بميزان الجهاد. رجلٌ شابّ، متأهّل، أبٌ لطفلين، لكنّه في الوقت نفسه أبٌ لأفكارٍ كثيرةٍ ربّاها بين دفّات الكتب.

كان قارئًا شرهًا، يلتهم الصفحات كما يلتهم العطشان جرعات الماء. قرأ أكثر من ثلاثمئةٍ وخمسين كتابًا، أكثرها في سِيَر أهل البيت -عليهم السلام- وفي الفكر الإنساني والعلاقات الأسرية وتربية الأبناء... وكانت هذه القراءات تُشرق في سلوكه، في حنانه على زوجه، في محبته لوالدته، في لطفه مع أهله وأقربائه. ولهذا، حين أُعلن نبأ شهادته، لم يَبدُ الخبر غريبًا على أحد؛ فالنور يعرف طرقه، والقلوب كانت قد قرأت الفصول الأخيرة قبل أن تُكتب.

يُكمل عليّ: "منذ أسبوعين قبل رحيله، بدأ البيت يشعر بأن شيئًا ما يتحرّك في الهواء؛ كأنّ جدارًا خفيًا يتبدّد، وكأنّ روح حسن تتقدّم خطوةً نحو البعيد. كان حاضرًا بينهم، لكن بلمعة غيابٍ في العين، وبسكونٍ لا يشبهه. بدا وكأنّ قلبه غادر قبل أن يغادر الجسد".

قبل أيام من استشهاده، أوصل زوجه إلى منزل أهلها، ثمّ التفت إليها بابتسامةٍ خفيفة وقال: "نامي هون.. وأنا بنام عند أهلي". لم تكن الجملة عابرة، كانت أشبه بجرس خفيف يرنّ في فضاء الوداع. وفي الليل، حين كان ينظر إلى والدته، كانت كلماته تخرج بطمأنينة من يعرف أنّ الزمن يطوي صفحته الأخيرة: "أنا مش مطوّل.. رح فل".

كأنّه يتهيّأ لعالم الشهداء بسلامٍ داخلي، كأنّه يودّعهم واحدًا واحدًا من دون أن يصرّح.

يقول عليّ إنّ حسن، بعد الرؤيا، صار يحضن أولاده وكأنه يختزن منهم الصور والروائح ليأخذها معه إلى عالمِ النور. كان يلتقط لهم الصور، يطيل النظر إليهم، ويقول لزوجه بلهجة الموقن: "أنا رايح ومش راجع.. هذه آخر مرة".

لم تكن الكلمات "تهديدًا" بالموت، بل وعدًا بالحياة الأخرى التي استدعته إليها روح صديقٍ سبقه إلى الشهادة.

حين جاء يوم الخميس، جاء كما قيل في الرؤيا. استُشهد حسن في ليل الجمعة، ودُفن في يوم الجمعة، وكأنّ الزمن نفسه وقف احترامًا للدقّة السماوية التي أُخبر بها.

أما عن ميدان الجهاد، فيقول رفاقه إنّه كان من الذين إذا تقدّموا حملوا الأرض معهم. شارك في معارك كثيرة، وكان اسمه يلمع في الذاكرة كوميضٍ لا يُطفأ. في "معركة أُولي البأس" كان واحدًا من أولئك الذين نُسجت عنهم الأساطير الصغيرة التي لا يكتبها المؤرخون، بل يحفظها تراب الأرض وشهادات الرفاق.

هكذا يمضي عليّ في روايته، وكأنّه لا يروي سيرة أخٍ فقَدَه، بل يحكي عن شجرةٍ اقتُلعت من الأرض لتُزرَع في السماء.

 

الكلمات المفتاحية
مشاركة