مقالات
لم يكن الشهيد الحاج قاسم سليماني قائدًا عسكريًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كان مدرسة إنسانية وتربوية متكاملة، تركت أثرها العميق في وجدان الشباب داخل إيران وخارجها. سيرته لا تتوقف عند انتصارات الميدان فحسب، بل تركز بصورة لافتة على علاقته الخاصة بالشباب، وثقته بقدرتهم، وإيمانه بدورهم في صناعة المستقبل وصون القيم.
أدرك الشهيد سليماني مبكّرًا أن الأمم لا تُهزم في ساحات القتال وحدها، بل تُهزم حين يفقد شبابها البوصلة، وحين يُفرغ الجيل الجديد من المعنى والهدف، ومن هنا، جعل من مخاطبة الشباب، عمليًا وأخلاقيًا، محورًا ثابتًا في مسيرته.
الشباب في فكر سليماني وأبي مهدي
تشير خطابات آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، كما وردت في مناسبات متعددة بعد استشهاد الحاج قاسم، إلى أن هذا القائد كان نتاجًا خالصًا لثقة الثورة بالشباب، وبدوره أعاد إنتاج هذه الثقة في الأجيال اللاحقة، وأن الشهيد سليماني كان يرى في الشباب طاقة إذا اقترنت بالإيمان والوعي، تحوّلت إلى قوة لا تُقهر.
لم يتعامل مع الشباب بوصفهم أدوات تنفيذ، بل بوصفهم شركاء في المسؤولية، وكان يكرر في جلساته الخاصة، بحسب ما نُقل عنه في كتب مذكرات رفاقه، أن الشاب إذا شعر بالكرامة، صنع المعجزة.
كما كان الشهيد أبو مهدي المهندس يرى في الشباب جوهرًا لخدمة الشعوب، وقد أكد مرارًا أن قوة العراق تبدأ من الشباب المؤمن الواعي، فقد كان قريبًا منهم في كل مكان، يستمع لآرائهم، ويمنحهم الثقة والمسؤولية، ويعتبرهم الجيل الذي سيحملُ مستقبل العراق بصدقٍ وشجاعة.
علاقته بالشباب لم تكن علاقة قائدٍ بمقاتليه فقط، بل علاقة أبٍ يُرَبّي ويُلهِم، وقد شارك الشهيد الحاج قاسم سليماني الرؤيةَ نفسها، إذ كانا يعتبران الشباب الركيزة الأساسية في حماية الأوطان وصناعة المستقبل، لذا شكّلا معًا مدرسةً واحدة تعتبر الشباب أولوية لتقدم الأمة.
القائد المربّي
من أبرز ما يُميّز علاقة الشهيد سليماني بالشباب، هو أسلوبه التربوي الهادئ، لم يكن يعتمد لغة الأوامر الفوقية، بل لغة القدوة، وكان يتقدّم الصفوف، يتحمّل المشاق، ويشارك الجنود والمجاهدين تفاصيل حياتهم اليومية، ما جعله قريبًا من قلوب الشباب، لا مهابًا فقط، بل محبوبًا.
كثيرٌ من الشباب الذين عملوا تحت قيادته لم ينظروا إليه كقائد عسكري فحسب، بل كأخٍ أكبر، أو أبٍ روحي، يستمع لهم، ويُصغي لهمومهم، ويوجّههم دون كسر أو إهانة.
الإيمان بالهوية والمعنى
في زمنٍ تتعرّض فيه هوية الشباب لهجمات ثقافية وإعلامية واسعة، كان الشهيد سليماني يؤكد، بحسب ما ورد في رسائله وكلماته، على ضرورة التمسك بالهوية الإسلامية والوطنية، لا بوصفها شعارات، بل كمصدر للثقة بالنفس والاعتزاز بالذات.
وقد شدد في أكثر من مناسبة على أن الشباب إذا فقدوا ارتباطهم بجذورهم، صاروا لقمة سائغة لمشاريع الاستكبار، ولذلك كان يربط دائمًا بين الوعي الديني، والكرامة الوطنية، والمسؤولية الاجتماعية.
من جبهات الدفاع إلى ساحات بناء الإنسان
لم يكن اهتمام الشهيد سليماني بالشباب محصورًا في ساحات القتال، فقد كان يرى أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن حماية الأرض. ولهذا دعم البرامج الثقافية والتربوية، وشجّع على الجمع بين العلم والإيمان، وبين التخصص الأكاديمي والالتزام الأخلاقي.
وقد نُقل عنه قوله إن الشاب المؤمن الواعي، أقوى من دبابة، في إشارة إلى أن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي والإرادة قبل السلاح.
وصيّته للشباب.. خلاصة التجربة
لطالما دعا الحاج قاسم الشباب إلى عدم الانبهار ببريق القوة الزائفة، وإلى التمسك بالقيم، وخدمة الناس، والدفاع عن المظلومين. لم يطلب منهم أن يكونوا نسخة عنه، بل أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، وأن يحمل كل واحدٍ منهم مسؤوليته في موقعه، سواء في ميدان العلم، أو الثقافة، أو الخدمة الاجتماعية.
تأثيره بعد الاستشهاد
لم يُنهِ استشهاد الحاج قاسم سليماني حضوره بين الشباب، بل ضاعف تأثيره، فقد تحوّل إلى رمزٍ للصدق، والثبات، والإخلاص، وإلى نموذج يُستحضَر في مواجهة اليأس.
وشهدت السنوات التي تلت استشهاده ازدياد الاهتمام الشبابي بسيرته، وظهور أعمال ثقافية وأدبية عديدة تناولت حياته، ليس بوصفه بطلًا أسطوريًا بعيدًا عن الواقع، بل إنسانًا استطاع أن يجمع بين القوة والتواضع، وبين الحزم والرحمة.
تكشف قراءة سيرة الشهيد الحاج قاسم سليماني من زاوية علاقته بالشباب عن قائد آمن بأن مستقبل الأمة يُصنع في عقول وقلوب الجيل الجديد. لم يرَ في الشباب مشكلة، بل فرصة، ولم يخاطبهم بالخوف، بل بالثقة. ترك لهم إرثًا أخلاقيًا وفكريًا، يقول إن الطريق إلى الكرامة يبدأ من معرفة الذات، والتمسك بالقيم، وخدمة الناس، وهكذا، لم يكن الحاج قاسم سليماني شهيد ميدانٍ فقط، بل شهيد تربيةٍ وبناء إنسان، وستبقى رسالته حيّة ما دام في الأمة شباب يبحثون عن معنى، وقدوة، وأمل.