مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بإدارة النظام الدولي وفق منطق القوّة، بل باتت تُعيد تعريف القانون نفسه بما يخدم مصالحها الإستراتيجية، حتّى ولو اقتضى ذلك اختطاف رئيس دولة ذات سيادة تحت عناوين برّاقة، من نوع مكافحة المخدرات أو حماية الأمن العالمي. فحين تعجز أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات عن كسر دولة ما، تنتقل واشنطن إلى مرحلة أكثر فجاجة: تحويل السياسة إلى ملف جنائي، والسيادة إلى تهمة.
آخر فصول هذه البلطجة السياسية يتمثل في استهداف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة لا يمكن فصلها عن الصراع الحقيقي الدائر في الخلفية: النفط، والسيادة الوطنية، ومن يملك القرار السياسي في أميركا اللاتينية. ففنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لم تُعاقَب لأنها دولة مارقة، بل لأنها تجرأت على الخروج من بيت الطاعة الأميركي، ورفضت تسليم قرارها الاقتصادي والسيادي لشركات الطاقة العابرة للقارات.
إن ملاحقة أو اختطاف رئيس دولة وهو على رأس سلطته، خارج أي إطار قضائي دولي شرعي، يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي العام، وتحديدًا لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ أساسي كرّسه ميثاق الأمم المتحدة ونصّت عليه عشرات الاتفاقيات الدولية. فالولايات المتحدة ليست محكمة كونية، ولا يحق لها أن تمنح نفسها صفة القاضي والجلاد في آن واحد، تختار من تحاكم، ومن تعاقب، وعمّن تعفو، وفق ميزان المصالح لا ميزان العدالة.
أما الذريعة المعلنة، أي قضايا المخدرات، فهي ليست سوى قناع سياسي هشّ لا يصمد أمام الحد الأدنى من التدقيق. فالتاريخ القريب يفضح هذه الحجة بوضوح: لم تُظهر واشنطن يومًا هذا الحماس القضائي عندما كانت أنظمة حليفة لها، في أميركا اللاتينية وخارجها، متورطة حتّى العظم في تجارة المخدرات، وغسيل الأموال، وتهريب السلاح. الانتقائية هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل هي جوهر السياسة الأميركية نفسها، وتؤكد أن الهدف ليس تطبيق القانون، بل كسر الإرادة السياسية لدولة قررت أن مواردها ليست للبيع، ولا سيادتها قابلة للمقايضة.
الأخطر من ذلك، أن هذه البلطجة لا تقتصر على انتهاك القانون الدولي، بل تتعارض حتّى مع المبادئ الدستورية والقانونية داخل الولايات المتحدة نفسها. فالقانون الأميركي، مهما جرى الالتفاف عليه أو تفسيره بمرونة انتقائية، لا يمنح السلطة التنفيذية حق اختطاف قادة دول ذات سيادة، ولا شنّ عمليات عابرة للحدود من دون تفويض دولي صريح أو حالة حرب معلنة. لكن حين تتقاطع مصالح الشركات النفطية الكبرى مع عقلية الإمبراطورية، يتحول القانون إلى أداة مطواعة، ويُعلّق العمل به عند أول اختبار حقيقي.
وفي سياق متصل، لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن المسار الأميركي الأشمل في القارة. فالتلميحات المتزايدة حول استعادة السيطرة الفعلية على قناة بنما، سواء عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، تكشف عودة صريحة لعقلية "مبدأ مونرو" بثوب جديد: أميركا للأميركيين، أي للولايات المتحدة وحدها. فالقناة، التي تُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، ليست في نظر واشنطن مجرد ممر مائي، بل ورقة إستراتيجية يجب ألا تخرج عن السيطرة.
وبعد بنما، تأتي كوبا، الدولة التي لم تغفر لها واشنطن جريمة الاستقلال منذ أكثر من ستة عقود، وما زالت تحاصرها اقتصاديًا وسياسيًا، وتنتظر لحظة الانقضاض المناسبة. فالحصار لم يكن يومًا خلافًا أيديولوجيًا فحسب، بل رسالة ردع لكل من يفكر بالخروج عن الإرادة الأميركية في محيطها الجغرافي.
الأكثر إثارة للقلق هو صمت القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا. هذا الصمت، سواء كان تكتيكيًا أو نابعًا من حسابات مصالح معقّدة، يبعث برسالة شديدة الخطورة إلى واشنطن: لا رادع، ولا ثمن. فكلما غاب التوازن الدولي الحقيقي، تمددت الهيمنة الأميركية، وارتفعت شهية التدخل، وتحول الاستثناء إلى قاعدة، والعدوان إلى إجراء قانوني.
إن العالم يقف اليوم أمام مفترق تاريخي بالغ الخطورة: إما نظام دولي تحكمه القواعد والقانون، أو غابة سياسية تحكمها القوّة وحدها. وإذا كان اختطاف رئيس دولة ذات سيادة يمرّ بلا محاسبة، فإن الدور لن يتوقف عند فنزويلا، ولن تكون أميركا اللاتينية آخر الساحات المفتوحة. فحين يُكافأ المعتدي بالصمت، يصبح التمادي سياسة معتمدة، وتتحول البلطجة إلى عقيدة ثابتة.
في النهاية، ليست القضية نيكولاس مادورو، ولا فنزويلا وحدها. القضية هي معنى السيادة في عالم اليوم، وحدود القانون، ومستقبل نظام دولي يُراد له أن يُدار بقرارات أحادية وذرائع أخلاقية زائفة. والتاريخ علّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط حين تُخطئ مرة، بل حين تعتاد الخطأ، وتُقنع نفسها أن ما ترتكبه ليس عدوانًا، بل حقًا مكتسبًا.