اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إحباط مخططات تخريبية واعتقال المئات من قادة الشغب في إيران

خاص العهد

حدود تدخل ترامب في فنزويلا.. صراع بين هيمنة القرار الرئاسي وصلاحيات الكونغرس
خاص العهد

حدود تدخل ترامب في فنزويلا.. صراع بين هيمنة القرار الرئاسي وصلاحيات الكونغرس

182

في تحوّل لمسار المواجهة السياسية داخل واشنطن، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون يضع قيودًا مباشرة على تدخلات دونالد ترامب العسكرية في فنزويلا، مشترطًا موافقة مسبقة من الكونغرس الأميركي قبل أي تصعيد عسكري. هذه الخطوة لا تكتفي بتوجيه رسالة سياسية إلى البيت الأبيض، بل تعكس سعيًا تشريعيًا لإعادة تثبيت دور الكونغرس في رسم حدود القرار العسكري الأميركي خارج البلاد.

خوري: ترامب فوق قيود الكونغرس

يقدّم الدبلوماسي الأميركي السابق نبيل خوري لموقع العهد الإخباري قراءة تتجاوز البعد الإجرائي لقرار مجلس الشيوخ، ليضعه في سياقه الحقيقي كجزء من الصراع البنيوي داخل النظام السياسي الأميركي حول صلاحيات الحرب وحدود سلطة الرئيس.

يرى خوري أن هذا القرار، رغم أهميته الدستورية، لا يشكّل بالضرورة "قيدًا فعليًا" على الرئيس الأميركي، خصوصًا أن الأغلبية التشريعية في تلك المرحلة كانت موالية لترامب، ما يجعل أي تشريع يصدر عنها أقرب إلى رسالة سياسية أو محاولة "تسجيل موقف" أكثر منه أداة ملزمة. فترامب، بحسب خوري، أظهر مرارًا أنه يتعامل مع الكونغرس بوصفه عائقًا سياسيًا لا مرجعية حاكمة، ويقدّم قناعاته الخاصة تحت شعار "المصلحة الأمنية للولايات المتحدة" على أي التزام مؤسساتي.

ويلفت إلى أن التحركات الأميركية تجاه فنزويلا لم تُبنَ أصلًا على تفويض تشريعي واضح، ما يعني أن الإشكالية لا تبدأ مع القرار الأخير، بل مع نمط حكم يوسّع من صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الرقابة البرلمانية. وبرأيه، فإن عدم امتثال ترامب لمثل هذه القرارات لا يُنتج تلقائيًا أزمة داخلية كبرى؛ لأن موازين القوى داخل واشنطن لا تسمح بولادة معارضة قادرة على فرض كلفة سياسية حقيقية عليه.

ويشرح خوري أن الحزب الديمقراطي، رغم اعتراضاته الإعلامية، يعاني ضعفًا بنيويًا وانقسامًا داخليًا، فيما تفتقر التيارات الأكثر تشددًا داخله إلى العدد الكافي لمواجهة الرئيس. في المقابل، فإن الجمهوريين، حتى أولئك الذين يتحفظون على سياسات ترامب، يفضّلون الصمت أو التراجع خوفًا من شعبيته وقدرته على معاقبة خصومه سياسيًا داخل الحزب نفسه. هذا الواقع، بحسب خوري، يفسّر لماذا يشعر الرئيس الأميركي بحرية شبه مطلقة في اتخاذ قراراته، دون خشية من مساءلة داخلية جدية.

وعلى المستوى العسكري، يميّز الدبلوماسي الأميركي السابق بوضوح بين رفض الكونغرس للحرب ورفض ترامب لها. فالكونغرس، في نظره، لا يريد الانجرار إلى حرب واسعة قد تذكّر بتجارب كارثية سابقة مثل غزو العراق 2003، في حين أن "ترامب نفسه لا يضع خيار الحرب الشاملة على الطاولة أصلًا". لكنه، في المقابل، لا يتخلى عن أدوات الضغط القصوى لتحقيق أهدافه الإستراتيجية.

ويؤكد أن جوهر السياسة الأميركية تجاه فنزويلا لا ينفصل عن المصالح النفطية. فترامب الذي ينظر إلى السياسة الخارجية بعقلية "الصفقة"، لا يؤمن بالاجتياحات البرية أو الاحتلالات الطويلة والمكلفة؛ لأنها تستنزف المال والموارد ولا تضمن أرباحًا مباشرة. بدلًا من ذلك، يعتمد مقاربة تقوم على الترهيب والعقوبات والضغط النفسي والسياسي لإجبار الخصوم على تقديم التنازلات، ولا سيما في ما يتعلق بقطاع الطاقة وعودة الشركات الأميركية إلى السوق الفنزويلي.

ويذهب خوري إلى أن هذه الإستراتيجية تقوم على توجيه رسائل قاسية إلى القيادات السياسية، هدفها ردع أي جهة تفكر بمواجهة الإرادة الأميركية، دون الانخراط في حرب مفتوحة. فالتهديد، في هذا الإطار، يتحوّل إلى أداة مركزية في إدارة الصراع، بديلاً عن الجيوش والاحتلال.

أما خارجيًا، فيبيّن أن هامش الاعتراض لا يقتصر على الداخل الأميركي، بل يشمل أيضًا الحلفاء التقليديين. فالدول الحليفة للولايات المتحدة، بما فيها أعضاء حلف شمال الأطلسي، لا تمتلك القدرة ولا الإرادة لتغيير مسار السياسة الأميركية، وتكتفي في أحسن الأحوال بالتكيّف معها. وهذا ما يعزز شعور الإدارة الأميركية بأنها "غير مقيّدة، لا داخليًا ولا خارجيًا"، وفق خوري.

ويخلص إلى أن أي تحوّل فعلي في السياسة الخارجية الأميركية، سواء تجاه فنزويلا أو غيرها، لن يكون نتاج قرارات تشريعية منفردة، بل نتيجة تغيير أعمق في ميزان القوى داخل الولايات المتحدة نفسها. فطالما بقيت مراكز القرار محكومة بالمعادلات الحالية، ستستمر الإدارة الأميركية في التصرف وَفق "منطق القوة والضغط"، لا وَفق "منطق الشراكة أو الالتزام الصارم بالمؤسسات".

ميخائيل: خلاف جمهوري – جمهوري حول صلاحيات ترامب

بدوره، يضع أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن الدكتور نبيل ميخائيل في حديثه لـ "العهد" تمرير الكونغرس الأميركي مشروع القانون المتعلق بفنزويلا في إطار سعي المؤسسة التشريعية إلى إعادة تثبيت صلاحياتها الدستورية، بوصفها المرجع الأساسي في تقرير مسار السياسة الخارجية، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بقرار الحرب واستخدام القوة العسكرية. فبحسب ميخائيل، لا ينطلق هذا التحرك من خلاف ظرفي، بل من مبدأ دستوري يسعى الكونغرس إلى حمايته في مواجهة تمدد سلطة ترامب.

ويرى ميخائيل أن الخطوة تعكس في جانب منها تصدّعات داخل الحزب الجمهوري نفسه؛ إذ إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطمح إلى صلاحيات شبه مطلقة في إدارة ملف فنزويلا، في حين يُبدي عدد غير قليل من الجمهوريين، في مجلسَي النواب والشيوخ، تحفّظهم حيال منحه هذا الهامش الواسع، خصوصًا إذا كان مقرونًا بإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية. من هنا، فإن القرار لا يُقرأ فقط كمواجهة بين حزبين، بل كخلاف داخل الحزب الحاكم ذاته حول حدود سلطة الرئيس.

ويشير ميخائيل إلى أن هذا التباين قد يفتح الباب أمام توترات أوسع بين الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي، إذ يتمسك الكونغرس بدوره في الرقابة وتحديد الأطر العامة للسياسة الخارجية، فيما تحاول إدارة ترامب توسيع دائرة القرار الرئاسي المنفرد. ويبرز في هذا السياق ملف الثروات النفطية الفنزويلية بوصفه عنصرًا مركزيًّا في الصراع، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية، ما يزيد من حساسية النقاش داخل واشنطن.

وعند التوقف عند شخصية ترامب، يلفت ميخائيل إلى مفارقة لافتة؛ فالرئيس الأميركي لا يُصنَّف تقليديًا رجلَ حروب، بل رجل أعمال ينظر إلى النزاعات من زاوية الكلفة والعائد. فالحرب، بالنسبة إليه، عبء مالي واستنزاف اقتصادي، وهو ما يفسّر تردده حيال الانخراط في مواجهات عسكرية واسعة. غير أن هذا الموقف، بحسب ميخائيل، أحدث حالة من الإرباك حتى داخل قاعدته الشعبية، ولا سيما بين أنصار شعار "اجعل أميركا عظيمة مجددًا"، والذين يطالب بعضهم بتدخل حاسم في فنزويلا، لكن دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو احتلال طويل الأمد.

ويخلص ميخائيل إلى أن المشهد الحالي يعكس توازنًا دقيقًا بين نزعتين متناقضتين، الأولى تتمثل برغبة ترامب في فرض إرادته السياسية بأدوات ضغط قصوى، ورغبة الكونغرس، مدعومًا بجزء من الجمهوريين، في كبح هذا الاندفاع وإبقائه ضمن الإطار الدستوري. وبين هذين المسارين، تبقى السياسة الأميركية تجاه فنزويلا رهينة هذا الصراع الداخلي، أكثر مما هي نتاج قرار إستراتيجي نهائي محسوم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة