نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
سيسجل التاريخ أنّ دولة محاصرة ومستهدفة بكلّ أنواع الحروب الناعمة والخشنة، واجهت أعتى إمبراطورية في التاريخ، وسيذكر التاريخ أنّه عندما طأطأ العالم رأسه عبوديةً للولايات المتحدة، عربًا وعجمًا، شرقًا وغربًا، كانت الجمهورية الإسلامية في إيران، تقف وحدها مرفوعة الرأس، ترفض الترغيب وتتحدى الترهيب.
وهذه الإمبراطورية العاتية، لن تنسى لإيران، أنّها جرَّأت العالم على تحدّيها، بعد أن تعامل معها العالم باعتبارها قدرًا، على مدار ثلاثة عقود، تربعت خلالها على عرش عالم القطب الواحد، جاءت شجاعة إيران لتفتح عيون العالم، بما فيه القوى العظمى، بأنّ مواجهة أميركا بالإمكان، بل وبالإمكان هزيمتها.
رفضت إيران كلّ المغريات مقابل التخلي عن قضية فلسطين، وتحدّت كلّ ترهيبٍ مقابل التمسك بدعم كلّ من يقاوم "إسرائيل"، ويرفض الهيمنة الغربية، تمسكت بسيادتها وتشبثت باستقلالية قرارها، برنامجها النووي قرارٌ سيادي، برنامجها الدفاعي قرارٌ سيادي، لا يخضعان لمفاوضاتٍ أو مساومة.
واحتملت في سبيل ذلك العقوبات والحصار، فكلّ شيء في إيران خاضعٌ للعقوبات الأميركية والأوروبية والأممية، الشخصيات القيادية ومؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، والشركات والبنوك والأفراد، وقد تجد حتّى بسطات الخضار الجوالة خاضعة للعقوبات، فلا يوجد قطاع في إيران إلّا وطاولته العقوبات، النفط والغاز والزراعة والصناعة والتجارة والطيران والسياحة.
هذا فضلًا عن حروب الظلّ التي لم تتوقف، على مدى أربعة عقود من عمر الثورة، ونرى كمتابعين بعض تجلياتها فقط، ورأس جبل الجليد منها، حين يحدث اغتيالٌ هنا أو تفجيرٌ هناك، مرورًا بالحرب المفروضة المعروفة بحرب الخليج الأولى، وصولًا لحرب الأيام الـ12، وليس انتهاءً بمحاولات الفتنة الداخلية وإشاعة الفوضى، تارةً باسم الديمقراطية وتارةً باسم الوضع المعيشي والأزمة الاقتصادية.
وهذا الاستهداف لم يتوقف ولن يتوقف، وسيظل متواصلًا دون انقطاع، فوجود الجمهورية الإسلامية في إيران يعني لا "إسرائيل" كبرى، بل حتّى الصغرى ليس يقينًا دوامها طويلًا، ووجود الجمهورية الإسلامية في إيران، يعني لا هيمنة أميركية مريحة على القرن الجديد، ووجود الجمهورية الإسلامية في إيران، يعني أنّ مقاومة الوجود الأميركي في المنطقة ستستمر، وستظل "إسرائيل" في خطرٍ وجودي.
لذلك فإنّ إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران، هو قرارٌ أميركيٌّ قد اتُّخذ ولا رجعة عنه، فهذه المنطقة بلا الجمهورية الإسلامية، كما تراها أميركا، هي مجرد كياناتٍ مفتتة متصارعة، تتصارع في ما بينها صراعًا دمويًا، صراعٌ على سبيل التسابق لنيل الرضى الأميركي وتحقيق خيالات نتنياهو بـ"إسرائيله" الكبرى، التي ستصبح حقيقةً في حال نجحوا بإسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران.
إنّ شكل المنطقة الذي تسعى إليه "إسرائيل"، هو ما نراه في سورية والسودان وليبيا ويمن "الشرعية" المدَّعاة، في اليمن مثلًا صراعٌ دمويٌّ بين دولتين عربيتين بدماء اليمنيين، لمجرد سيطرة تابعي هذه الدولة على مناطق تابعي تلك الدولة، رغم أنّ كلاهما "شرعية" مدَّعاة، فتسابق إحداهما الأخرى بدماء اليمنيين، من الأقدر على خدمة المشروع الأميركي الصهيوني، المتسرعة أم المتأنية.
في حين على بُعد 200كم من معاركهم الطاحنة، في أرض الصومال، تُبنى هناك "إسرائيل" جديدة، وإن كان تحرك الانتقالي المنحل نحو حضرموت والمهرة، خدمة لـ"إسرائيل" بشكلٍ غير مباشر، فإنّ اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال، وإعلان النيّة عن بناء قاعدة عسكرية هناك، هي أشد خطرًا وأكثر وضوحًا، ولكن كان الردّ بعض حبرٍ رخيص، كُتبت به كلمات مبتذلة، صاغها موظف درجة سادسة عن الشجب والاستنكار، هكذا ترى أميركا المنطقة بعد إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران، تُراوح بين الحبر الرخيص والدم الرخيص.
منطقة تتجنب المعارك الشريفة وشرف المعارك، لصالح المعارك الرخيصة وانحطاط المعارك. والمستهجن أنّ هناك نخبويين عربًا، يدّعون خبالًا أنّهم من أنصار المقاومة، يستبشرون بإسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران، وهؤلاء من حيث يشعرون أو لا يشعرون، "كالحمار يحمل أسفارًا"، فلا فرق لديهم إن حملوا التبر أو حملوا التراب، وهم يرون أنّ تراب سورية الحالية من اقتتال ودماء وتمزقات اجتماعية وجغرافية، واحتلال "إسرائيلي" أفضل من تبر سورية الموحدة السيدة، لأنّها بلا وجود إيراني.
وبما أنّهم يملكون هذه الطبيعة التي لا تميّز بين التبر والتراب، فلا نستطيع الجزم بأنّهم سيُعانون من آثار ما بعد الصدمة، حين يكتشفون أنّ رهاناتهم على إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران قد تبخرت، لذلك سيعيدون حمل التراب مجدّدًا باعتباره تبرًا متى أراد ترامب ونتنياهو ذلك، فإيران الجمهورية الإسلامية ستظل في مواجهة الهيمنة الأميركية والمشروع الصهيوني، وسقوطها مجرد أوهامٍ تعبر عن عجز القوّة الخشنة في مواجهتها.