اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي قالیباف: الدوافع وراء أعمال الشغب کانت مماثلة لعملیة تفجير أجهزة البيجر في لبنان

مقالات

لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟
مقالات

لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟

149

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم يكن تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران لحظة تردّد عابرة أو نزوة سياسية طارئة، بل كان نتيجة تراكم حسابات عسكرية وأمنية واستراتيجية أدركت واشنطن، في لحظة حرجة، أنها قد تدفع ثمنًا باهظًا لأي مغامرة غير محسوبة.

أولًا- كلفة الرد الإيراني وعدم قابلية الاحتواء

أحد أبرز أسباب التراجع كان اليقين بأن أي ضربة لن تمر بلا رد. إيران لا تشبه خصومًا اعتادت الولايات المتحدة على ضربهم من دون تبعات مباشرة. فهي تمتلك شبكة ردع متعددة الطبقات:

1.    ترسانة صاروخية دقيقة ومتنوعة قادرة على ضرب قواعد أميركية في الخليج والعراق.
2.    قدرة مؤكدة على استهداف الملاحة في مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي للطاقة العالمية.
3.    نفوذًا إقليميًا واسعًا يتيح لها الرد بوسائل غير مباشرة، وعلى مسارح متعددة في آن.
4.    إمكانية إلحاق دمار هائل في مدن الكيان "الإسرائيلي" ومراكزه الحساسة، وما حرب الإثني عشر يومًا إلا مثالًا قاطعًا على ذلك، فهذه المرة سيكون الدمار أكبر بكثير؛ لأن السقوف لن يكون لا حدود لها .

هذا التعقيد جعل أي ضربة محدودة مرشحة للتحول إلى سلسلة تصعيد يصعب التحكم بمداها أو توقيتها.

ثانيًا- امتلاك إيران منظومة دفاع جوي يمكن أن تكون قد حصلت عليها من الصين ومن روسيا وتحديث أسراب من الطائرات المسيرة التي تعمل بمحركات نفاثة، خلال المرحلة كلها الممتدة من إنتهاء حرب الإثني عشرَ يومًا حتى اليوم. ويقال إن أميركا اكتشفت ذلك حديثًا؛ إذ ستتخذ تدابير عقابية ضد هذه الخطوة تحدث عنها الإعلام الأميركي . 

هذه المعطيات أضعفت فرضية "الضربة النظيفة" التي لا تكلف شيئًا، ورفعت احتمالات الخسائر البشرية والعسكرية الأميركية و"الإسرائيلية"، وهو خط أحمر سياسيًا بالنسبة إلى ترامب.

ثالثًا- الحسابات الانتخابية والداخل الأميركي

ترامب، والذي بنى خطابه على إنهاء "الحروب المكلفة"، وجد نفسه أمام مفارقة خطيرة. وهي أن ضربة لإيران قد تفتح حربًا إقليمية طويلة، تتناقض كليًا مع وعوده الانتخابية، وتضعه في مواجهة الرأي العام الأميركي، لا سيما إذا سقط جنود أميركيون أو ارتفعت أسعار النفط؛ وانعكس ذلك على الاقتصاد.

رابعًا- غياب الإجماع الدولي

لم يكن هناك غطاء دولي واضح لأي عمل عسكري أميركي. أوروبا كانت متحفظة، وروسيا والصين معارضتان، وحتى الحلفاء الإقليميون كانوا يدركون أن نيران الرد الإيراني لن تتوقف عند حدود إيران. هذا العزل السياسي جعل الضربة تبدو كمغامرة أميركية منفردة، لا تحركًا دوليًا مشروعًا.

خامسًا- إدراك محدودية القوة أمام دولة صلبة 

الاستنتاج الأهم الذي قاد إلى التراجع هو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي؛ أمام دولة بنت استراتيجيتها على الصبر والرد المتدرج وامتصاص الصدمات.
إذ إن إيران ليست دولة هشة، ولا نظامًا قابلًا للسقوط بضربة أو اثنتين، وأي محاولة لكسرها بالقوة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا؛ أهمها تعزيز موقعها الداخلي والإقليمي. لكن هناك سؤال يُسأل: ألم تكن الإدارة الأميركية، بخبرائها وعسكرييها، تدرك هذا  كله قبل هذا الاستنفار الذي جعل الكوكب بكامله في حال ترقب لهذه الضربة المزعومة؟ 

الجواب المختصر: نعم، كانوا يدركون ذلك كله مسبقًا، لكن القرار لم يكن عسكريًا خالصًا منذ البداية. ما جرى لم يكن "سوء تقدير"، بل إدارة حافة الهاوية.

لكنّ التفصيل مهم هنا:

أولًا- لم يكن قرار الضربة قرارًا نهائيًا أصلًا

1.    في آليات صنع القرار الأميركي، لا سيما في عهد ترامب، هناك فرق جوهري بين إعطاء أمر بالاستعداد للضربة، وإعطاء أمر التنفيذ. ما حصل هو الأول لا الثاني. الاستنفار وتسريب المعلومات وتحريك القطع العسكرية كان جزءًا من ضغط محسوب لا من نية حرب مؤكدة.

2.    ترامب لم يكن رئيسًا تقليديًا؛ كان يستخدم التهديد أداةً في التفاوض، لا مقدمة تلقائية للضرب.

ثانيًا- لماذا إذًا الذهاب إلى حافة الضربة؟

هذا يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة:

1.    اختبار سقف الرد الإيراني؛ الإدارة الأميركية كانت تريد أن ترى: هل ستتراجع إيران تحت التهديد؟ أم ستذهب إلى كسر الخطوط الحمراء؟ الرسائل الإيرانية التي وصلت، علنًا وسرًا، أكدت أن الرد سيكون مباشرًا ومؤلمًا، لا رمزيًا. وهنا تحديدًا تغيّر وزن القرار.

2.    إخضاع الحلفاء والخصوم نفسيًا؛ الاستنفار لم يكن موجهًا لطهران فقط، بل إلى: الحلفاء الأوروبيين ودول الخليج، وحتى "إسرائيل". واشنطن أرادت أن تقول: نحن من يقرّر متى تشتعل الحرب ومتى تُطفأ. لكنها في الوقت نفسه تلقّت رسالة معاكسة: الجميع خائف من النتائج.

3.    تسويق صورة "الرئيس الحازم" داخليًا؛ ترامب كان بحاجة إلى رفع منسوب التوتر إعلاميًا، وإظهار استعداده للذهاب بعيدًا، ثم التراجع بوصفه "قرارًا إنسانيًا" أو "حكيمًا".. أي إن التراجع نفسه كان جزءًا من المسرحية السياسية.

ثالثًا- متى حُسم التراجع فعليًا؟

ليس بعد الاستنفار… بل بعد تقييم الردع الحقيقي.

عندما تأكد "البنتاغون" أن أي ضربة ستؤدي إلى خسائر أميركية مباشرة، ولا يمكن ضمان حصر التصعيد، ولا يمكن حماية القواعد والأساطيل كلها، تحوّل القرار من: "هل نضرب؟" إلى: "كيف نخرج من المشهد من دون فقدان الهيبة؟

رابعًا- ما لا يُقال في الإعلام

الحقيقة غير المعلنة هي أن القرار العسكري كان أضعف من القرار السياسي، وترامب كان أقل حماسة للحرب من بعض مستشاريه، والتراجع لم يكن اكتشافًا متأخرًا للواقع، بل اعترافًا متأخرًا بأن الضغط بلغ مداه الأقصى.

لا يمكن إغفال أن أميركا ومعها "إسرائيل" كانتا تتوقعان أن يتمكّن الشارع الإيراني، وسط ذلك الشغب المفتعل، من إسقاط النظام الإيراني من الداخل أو أقلَّه جعله يترنح، ففوجئتا بصلابة هذا النظام  وبقدرته على التحرك سريعًا وإلقاء القبض على معظم المخربين المدفوعين من قبلهما، وتجري محاكمتهم، والذين إدعى ترامب تلقيه اتصالًا من السلطات الإيرانية بأنها لن تقوم بإعدامهم. هذا الذي أراه غير واقعيًا استنادًا إلى تاريخ إيران الحازم مع العملاء. 

الخلاصة الصريحة

لم تكن المشكلة أن ترامب لم يكن يعلم…بل إن التهديد استُخدم عمدًا، ثم أُوقِف عندما صار ثمنه أعلى من فائدته. كما أن الاستنفار لم يكن فشلًا في التقدير، لقد كان مناورة وصلت إلى نهايتها الطبيعية. وإذا شئنا تسمية الأشياء بأسمائها: ما حصل لم يكن تراجعًا عن ضربة، بل تراجعًا عن وهم  إخضاع إيران بالتهديد وحده.

الجدير ذكره أن ترامب لم يتراجع؛ لأن إيران أقوى من أميركا، بل لإدراكه أن كلفة ضربها أعلى من عائداته السياسية والعسكرية. كان التراجع اعترافًا غير معلن بأن ميزان الردع تغيّر، وأن زمن الحروب السهلة قد انتهى، وأن إيران بقدراتها وصبرها وتشابك نفوذها باتت رقمًا صعبًا لا يمكن شطبه بقرار متسرّع.

هكذا، كان الامتناع عن الضربة أمرًا فرضته الوقائع، حتى على رئيس اشتهر بالاندفاع والتهديد.

الكلمات المفتاحية
مشاركة