اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

يوم الجريح المقاوم
المقال التالي الدولة العاجزة في ظلال الميدان الصادق

نقاط على الحروف

حين بكى القانون في الزاوية! 
نقاط على الحروف

حين بكى القانون في الزاوية! 

79

كاتبة من لبنان

أثار استدعاء الصحافيّ حسن علّيق موجة غضب مشروع في صفوف أهل الأرض الذين ينطق علّيق باسمهم، محافظًا بشكل تام على عدم تجاوز القوانين المرعية الإجراء ولو بكلمة واحدة. ما الذي دفع بالقاضي حجّار إلى القيام بهذا الاستدعاء إذًا، هل هي حقًّا مقاربة حقوقية وقانونية؟  يفرض السؤال نفسه لدواعٍ كثيرة، وإن كان أوضحها يكمن في عدم حصول "فعل جرميّ" أصلًا، وعدم "قانونية" التحقيق في مسألة "صحافية" في غير محكمة المطبوعات، فأوقحها هو تغييب القانون تمامًا حيال سيل من الجرائم المشهودة والموثّقة، والتي تحوّل الإعلام فيها إلى مسرح جريمة متواصلة، و"على عينك يا قاضي"! .

ولأن الواضحات لا تحتاج إلى استفاضة في التفسير، فيمكن اختصار الحديث عنها بالتالي: لم يرد في حديث الصحافي حسن عليق أيّ مسّ بشخص رئيس الجمهورية، وبالطبع لم يرد ما يمكن ترجمته إلى شتيمة أو ذمّ غير مشروع. ما ورد هو نقد سياسيّ صريح وواضح، مبنيّ "حقوقيًّا" على الحقّ بالتعبير عن الرأي المكفول قانونيًّا ودستوريًّا والمُتغنّى به عادة في لبنان. ولو كان قد ورد ما يمكن اعتباره قدحًا أو ذمًّا أو تعرّضًا شخصيًّا لأيّ طرف، فالجهة المخوّلة النظر فيه هي محكمة المطبوعات وليس المباحث المركزية أو غيرها. وعليه، كلّ مخالفة لهذه القاعدة هي حكمًا انتهاك واضح ومتعمّد وفاضح للقانون الذي يحاول البعض استخدامه كوسيلة للترهيب وكمّ الأفواه. 

أمّا ما يمكن اعتباره دافعًا كبيرًا لطرح السؤال أعلاه، فهو الغيبوبة التامة التي يدخل فيها المسؤولون عن متابعة ورصد الالتزام بالقوانين حين يكون المرتكب "مرضيًّا عنه" لدى عوكر وأدواتها، وشروط الرّضا هذا ليست كثيرة: التعبير عن العداء للمقاومة، ومخالفتها حتّى لو قالت "اللّبن أبيض". لم يكد يمرّ يوم منذ سنوات من دون أن يطفو على سطح المستنقعات الإعلامية صوت بوق يعزف كلّ ترنيمات الرّذيلة الوطنية والإنسانية والأخلاقية:

هل حدث أن شهدنا تحريضًا مباشرًا للعدوّ على استهداف المدنيين في لبنان وقتلهم؟ نعم، وراجعوا منشورات بعض الإعلاميين وأحاديثهم التي تضمنت أشكالًا مختلفة من الدعوة إلى القتل والتدمير والإبادة والتهجير، راجعوا ما كُتب بحقّ العاملين في "الهيئة الصحيّة" ومستشفياتها وفي "مؤسسة القرض الحسن"، راجعوا كيف جرى التحريض المباشر على استهداف "المسعفين". هل دعت هذه الجرائم مدّعي عام التمييز القاضي حجار إلى اتّخاذ تدابير قانونية ولو شكلية بحقّ المرتكبين؟ كلا، فتحريضهم على القتل ودعوتهم العدوّ للقصف والتدمير والتهجير والتشفّي الذي يعبرون عنه بعد كلّ عدوان، كلّ هذا يأتي تحت عنوان "حرية الرأي". 

هل حدث أن سمعنا كيف يبرّر فريق من الصحفيين والسياسيين والناشطين للعدوّ قتلنا، وكيف يجدون له الأعذار والذرائع، بل وكيف يحسبون العدوان حقًّا طبيعيًا للعدوّ؟ نعم. كثيرًا. وهل تخالف هذه الخطابات صراحة القانون اللبناني؟ بالطبع نعم. هل جرى أن سجّل القضاء هذه الارتكابات المشهودة واستدعى مرتكبيها ولو لتنبيههم! كلا، فاختلاق الذرائع للعدوّ وتبرير عدوانه أصبحا في ما يبدو سردية مطلوبة، ولا يبدو أنّها تتجاوز بالنسبة للقيّمين على القانون حدّ الحقّ بالتعبير، ولو عن الخيانة!

هل حدث أن اُنتهكت ثقافة أهل المقاومة وعقيدتهم ورموزهم وشعاراتهم، بمختلف الأساليب الكلامية، من المنمّقة إلى الأكثر ابتذالًا؟ هل قام المتأمركون بتوجيه الإهانات الصريحة والتلميحات القبيحة بحقّ مقدّسات مجتمع المقاومة؟ نعم، وبشكل شبه يومي. هل استدعى ذلك ردّ فعل قضائيًّا يستند إلى قانون العقوبات لمحاسبة الفاعلين. لا، فالفاعلون باتوا يعتقدون أن الإساءة للغير، إلى شكله ولباسه وثقافته وعيشه وكلّ ما يؤمن به، هي نمط تعبيريّ حرّ، وما يكرّس اعتقادهم هذا هو غياب أيّ مساءلة قانونية بهذا الصدد.

إذًا، المقاربة التي دفعت بمدّعي عام التمييز القاضي الحجار إلى استدعاء الصحافي حسن عليق للمثول أمام المباحث المركزية ليست قانونية ولا قضائية. المسألة برمتّها تأتي في سياق استهداف كلّ من ينطق بالحقّ وباسم مجتمع بذل أغلى ما عنده في سبيل حفظ البلد وأهله في مواجهة وحشية العدو، واستهداف كلّ من يخالف التعليمات التي ينقلها المبعوثون الأميركيون، المسألة تكمن في الترهيب بالسجن وبالقانون ضدّ من يستخدم الكلمة سلاحًا ويقاوم، فيما تقوم المسيّرات والطائرات الحربية بالترهيب وبالقتل اليوميّ. وإن كان مفهومًا أن تعجز مؤسسات الدولة عن ردع المسيّرات والطائرات، فعجزها عن محاسبة من يصفّق للنار ويبتهج بالقتل ويحرّض عليه، لم يعد مفهومًا إلّا في سياق تشجيعه والثناء عليه! باختصار، في البلد اليوم إعلامان: إعلام مقاوم يلتزم القوانين والأنظمة ويحفظ أخلاقياته وإنسانيّته ومستعد لبذل الدّم صونًا للأرض وأهلها، وآخر يعاديه، يدوس على القوانين والأصول، يفتقر إلى الحدّ الأدنى من أخلاقيات المهنة، يفتقد كلّ معايير الإنسانية، ويعمل كمرتزق رخيص تشغّله "تعليمات" عوكر، والمفارقة، أن يُستدعى الأوّل لمحاسبته وترهيبه، ويُغضّ الطّرف عن الآخر، وهنا، لا بُدّ شوهد القانون "يبكي في الزاوية"!

الكلمات المفتاحية
مشاركة