اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الخارجية الإيرانية تستدعي سفراء الدول الأوروبية جميعهم

مقالات

في وداعِ الكريم أصل الدرّة السّاطعة..
مقالات

في وداعِ الكريم أصل الدرّة السّاطعة..

99

كاتبة من لبنان

غصّ الصّبح بالخبر، وتكوّرت القلوب دمعة في عين الجنوب وكلّ أرض تقاوم: الحاج عبد الكريم نصر الله في ذمّة الله. والد شهيدنا الأقدس الذي ارتشف وداع "جنى عمره وحبيب روحه" بالصبر المتين، وما رأى إلّا جميلًا، أغمض عينيه بعد عمر من شوق كلّ لحظة منه تعادل دهرًا، وأسلم الرّوح إلى بارئها صابرًا محتسبًا راضيًا مطمئنًّا.

مع ساعات الصباح الأولى، تلقّى أهل المقاومة النبأ. جمرة مشتعلة حلّت بلحظة على وجه القلوب، وغاصت في أصوات الذين ينقلون الخبر، ولعلّ أوّل فكرة خطرت في كلّ بال أنّ العزيز بعزيزه التحق، وأنّه لا بدّ يضمّ الآن ابنه سيّد الأمّة وشهيدها الأسمى في حضنه الأبويّ بعد سنين من فراق، وألف غصّة. ولطالما مرّ في خاطر الأرواح المقهورة منذ استشهاد السيد نصر الله سؤال، إن كنّا، نحن الذين لم نلتقِ بالسيّد عن قرب، نحترق في تنّور الفقد والألم منذ لحظة إعلان نبأ الشهادة، فما حال الأقربين، ما حال الوالد الذي عرفه وليدًا يشعّ من وجهه نور الشهداء، وسمّاه "حسن" بعد رؤيا كان قد قصّها في إحدى المقابلات. ما حاله وهو يستعيد لحظات طفولته الأولى، حين كان يستعير "منديل" جدّته ويلفّه كعمامة على رأسه. ما حاله وهو يودّعه شهيدًا يُدفن سرًّا كوديعة، ثمّ ما حاله وهو يرى "جنى عمره" في النعش محاطًا بألوف مؤلّفة من القلوب الباكية. قال الحاج عبد الكريم يومًا إنّ سرّ حبّ النّاس لابنه حسن يكمن في أن الله إذا أحبّ إنسانًا، حبّب فيه خلقه. وها هو اليوم، يلتحق به، يجاوره بين يدي الله بعد أنّ رثاه قائلًا: "ما كنت حاسب قبل منّي تروح". 

الحاج عبد الكريم نصر الله في ذمّة الله.. 

يا لسماحة وجهه في الصورة المرفقة بالخبر.

يا لعمق الصّبر الكامن في بسمة الرّضا على محيّا الأب الذي يلبس سواد الحداد ويرفع عينيه إلى السماء محتسبًا: أرضيت يا رب؟! 

الحاج عبد الكريم هو ابن البازورية، ابن التراب العامليّ، ابن الفطرة الذاهبة في الحنان إلى أقصاه، ابن التعب الأبيّ الشّريف، ابن صخر الجنوب الصّلب، الذي اختار الله من صلبه قائدًا مهابًا، أمينًا مؤتمنًا، شهيدًا. ابن الأصول الذاهبة عميقًا في أرض الولاية والسامية عشقًا في سماء الإنسانية الجامعة.

ورد النبأ، وأولى الكلمات أن بلّغ منا عزيز روحنا السلام، وأن هنيئًا لك هذا اللقاء المنتظر، وهنيئًا لك بما صبرت وضحّيت.

بيته في البازورية، الذي تمنّى لو أنّه بقي مفتوحًا بعزيزه السيد حسن، والذي اشتاقه السيد حدّ تمنّي الجلوس في شرفته لشرب "كاسة شاي" لولا الظروف الأمنية، شهد على حكاية عمر جنوبيّ صرف: صبر على المواجع، رضا وتسليم بلا تأفّف، حمد على كلّ جميل صنعه الله. حتّى أطنان النار التي استهدفت غرفة عمليّات السيد حسن في الضاحية وأنبتت في القلوب وجعًا لا يستكين، والتي انهال ثقلها على سقف البيت الجنوبيّ البسيط الدافىء، لم يرَ فيها الحاج عبد الكريم إلا جميلًا. لم يتذمّر برهة من ثقل الوجع، وهو الذي كان قد ودّع قبل أشهر قليلة من وداعه لفلذة روحه شريكة عمره الحاجة نهدية صفيّ الدين، أمّ حسن. وقف صابرًا مكلّلًا بالعزّ وبالرّضا، وربّما في سرّه تبسّم لـ"أم حسن" وهنأها على ارتحالها من الدنيا قبل أن تسمع صوت النّاعي ينعى بكرها السّيد حسن.

إذًا، بحزنٍ حيٍّ وبحبٍّ زرعه الله في قلوب الأحرار، تلقّى أهل المقاومة نبأ وفاة الحاج عبد الكريم نصر الله، "أبو حسن"، فتجدّد وجعهم الذي لم يسكن أصلً.. فقد رأوا فيه دائمًا حضورًا يسكّن روع الفقد فيهم، ووالدًا فيه من رائحة "أبيهم" السيّد حسن، وعزاؤهم أنّ العزيز انتقل إلى جوار الأنبياء والأولياء والشهداء، وأنّه في العلياء سيضمّ بعد غياب، عزيزه وفلذة روحه السّيد حسن، ويبلّغه من أمّته السلام.

الكلمات المفتاحية
مشاركة