اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رمضان يوحد الجنوب والشمال قوافل العطاء تكسر الأزمات وتصل إلى عشرين ألف عائلة

تكنولوجيا

وحدة 8200.. حين يسقط قناع
تكنولوجيا

وحدة 8200.. حين يسقط قناع "التفوّق" وتتكشّف الحرب على الوعي

116

لم يكن انكشاف هوية قائد وحدة 8200 إبان معركة طوفان الأقصى مجرّد "خطأ تقني" كما حاول جيش الاحتلال التخفيف من وطأته، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لانهيار صورة التفوّق الاستخباراتي التي طالما سوّقها الكيان لنفسه ولحلفائه. فحين تُعرّى هوية رأس أخطر وحدة تجسّس سيبراني (Cyber Intelligence) في "إسرائيل" عبر آثار رقمية بدائية، يصبح السؤال أعمق من فضيحة شخصية، ويتحوّل إلى إدانة بنيوية لعقيدة استخباراتية كاملة تدّعي السيطرة الشاملة بينما تعجز عن حماية ذاتها.

وحدة 8200، التي طالما قُدّمت بوصفها العقل الرقمي الأعلى في كيان الاحتلال، تشكّل العمود الفقري لحرب التجسّس الإشاري (Signals Intelligence - SIGINT) والحرب السيبرانية (Cyber Warfare)، وتوازي في مهامها وكالة الأمن القومي الأميركية. غير أن ما جرى مع قائدها، يوسي سارييل (Yossi Sariel) الذي كاد أن يقتل في رد المقاومة الإسلاميّة على اغتيال الشهيد القائد السيد فؤاد شكر بقصفها مقر الوحدة الواقع في صحراء النقب في 30 آب /أغسطس 2024، لم يكشف فقط خللًا أمنيًا فحسب، بل فضح تناقضًا عميقًا بين خطاب السيطرة المطلقة وواقع هشّ قائم على الإفراط في الثقة بالتكنولوجيا.

وهنا أيضًا، يمكن الاستشهاد بما كُشف خلال حرب الأيام الاثني عشر على إيران في حزيران/ يونيو 2025 ليتبدّى حجم هشاشة المنظومة التي تتباهى بالتفوّق. فهناك، حيث جرى الرهان على كثافة البيانات (Data Density) والتحليل الخوارزمي (Algorithmic Analysis) بين الاستخبارات وأصحاب القرار، ظهر التصدّع بوضوح: تقديرات خاطئة، قراءة قاصرة للردود، ارتباك في التسلسل بين المعلومة والقرار، وانكشاف الفجوة بين ما تُظهره البيانات وما يحتمله الواقع.

 فالخلل لم يكن تقنيًا صرفًا كما ادعى كيان العدو، بل بنيويًا، نابعًا من الاعتماد المفرط على نموذج يُبسّط الإنسان والمجتمع إلى مدخلات رقمية، ويُسقِط من الحساب عناصر الإرادة والمبادرة والقدرة على قلب المعادلات.

هاتان التجربتان دليلان كافيان على أن المنظومة التي تُدار بالبيانات وحدها، وتُغذّى بتراكم رقمي بلا بوصلة أو فهم عميق للسياق، تنهار عند أول اختبار مركّب. فالتطوّر الذي يُسوَّق كضامن للحسم يتحوّل إلى عبء حين تتبدّل الشروط بسرعة، وحين يتصرّف الخصم خارج النماذج المتوقّعة، فتتكشّف حدود العقل الآلي وتتعرّى مخاطر التسليم لعدوٍّ بنى عقيدته على وهم السيطرة الشاملة.

كتاب القائد: اعتراف مؤجَّل بعقيدة القتل المؤتمت

بالعودة إلى كتاب سارييل (The Human - Machine Team)، فإن الأخطر من انكشاف الهوية هو ما انكشف معها من فكر. فالكتاب، الذي نُشر عام 2021 بإذن رسمي من جيش الاحتلال وتحت اسم مختصر، لم يكن بحثًا أكاديميًا محايدًا، بل وثيقة عقائدية تشرح كيف ينظر الكيان إلى أي حرب مقبلة: حرب بلا إنسان، أو بإنسان منزوع القرار.

في هذا الكتاب، يدافع قائد وحدة 8200 صراحة عن تسليم إدارة الميدان العسكري إلى أنظمة التعلّم الآلي، إذ إن العقل البشري يحسب رأيه بات عاجزًا عن معالجة فيض البيانات، وأن الحل يكمن في "الآلة التي تفكّر وتقرّر". هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، بل يتحوّل إلى سيّد القرار، فيما يُختزل دور الإنسان في المصادقة الشكلية.

هذه الرؤية لم تبقَ حبيسة الورق، بل تحوّلت إلى أنظمة قاتلة فُعّلت في حرب الإبادة على غزّة وفي عدوان أيلول 2024 على لبنان، وعلى رأسها منظومة هبسورا (Habsora) التي وصفها سارييل بـ"آلة الأهداف" (Targeting Machine)، والتي أنتجت عشرات آلاف الأهداف، أثبت الواقع أن غالبيتها الساحقة مدنية، كذلك منظومة لافندر (Lavender) وأدوات التصنيف البيومتري (Biometric Classification) التي حوّلت الوجوه والأسماء والعلاقات الاجتماعية إلى معادلات قتل.

من التجسّس إلى هندسة السلوك

ما يغيب عن كثيرين أن وحدة 8200 لم تعد تنتظر ثغرات لاختراقها، بل تصنع بيئة رقمية (Digital Environment) كاملة تدفع الناس إلى كشف أنفسهم طواعية. هنا تنتقل الحرب الرقمية إلى مستوى أخطر: لم يعد المستخدم هدفًا صامتًا، بل شريكًا غير واعٍ في إنتاج المعلومة.

ترندات (Trends) الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال لا الحصر التي تُقدَّم اليوم بوصفها تسلية أو إبداعًا، تقوم عمليًا على جمع الصور، الأصوات، اللهجات، الميول، ردود الفعل، وأنماط التفاعل على المنصّات (Platforms). هذه المعطيات، حين تُراكم وتُربط، تنتج ملفًا شخصيًا (Profile) استخباراتيًا بالغ الدقة لكل فرد. صورة واحدة لا تعني الكثير، لكن صورة مرفقة بسلوك رقمي، بلغة، بموقع جغرافي (Geolocation)، بتاريخ تفاعل، تتحوّل إلى مفتاح قراءة نفسي واجتماعي.

هنا تكمن قوة وحدة 8200 الحقيقية، ليس في الاختراق المباشر، بل في الربط والتراكم (Correlation & Accumulation). لا حاجة لبرمجيات خبيثة (Malware)، ولا لاختراقات معقّدة، يكفي ترند جذاب، ومنصّة تطلب الإذن (Consent)، ومستخدم يضغط "موافق".

هوس حزب الله: عقدة الفشل المزمن

ليس تفصيلًا أن يذكر سارييل حزب الله 18 مرة في كتابه. فالرجل الذي واجه المقاومة في كلّ محطات مسيرته، من الجنوب إلى الجليل إلى شعبة الأبحاث، يدرك أن هذه الجبهة شكّلت التحدّي الأعمق لعقيدة التفوّق الاستخباراتي "الإسرائيلة". ورغم كلّ ما راكمته وحدة 8200 من أدوات سايبر (Cyber) خلال العدوان الأخير على لبنان، بقي حزب الله خارج القدرة على الإخضاع إلى حد كبير، بل تحوّل إلى مرآة تعكس عجز المنظومة الصهيونية عن الفهم والاستشراف. 

هذا العجز انفجر في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين اعترف سارييل نفسه بأن ما جرى سيطارده حتّى آخر أيامه، وبأنه يتحمّل المسؤولية بالمعنى العميق للكلمة. هذا ليس اعترافًا أخلاقيًا، بل إقرار بانهيار نموذج كامل قام على وهم السيطرة الرقمية.

وحدة 8200 وإدارة الوعي: من جمع المعلومات إلى تضليل الرأي العام

إلى جانب دورها التقني، تؤدي وحدة 8200 وظيفة لا تقل خطورة تتمثل في إدارة الوعي (Cognitive Warfare / Perception Management). فالمعطيات التي تُجمع عبر الذكاء الاصطناعي لا تُستخدم فقط لتحديد الأهداف العسكرية، بل لتشكيل السرديات (Narratives)، وتوجيه النقاش العام، والتأثير في الإدراك الجماعي.

تعتمد هذه المقاربة على تحليل المزاج العام (Public Sentiment Analysis) عبر شبكات التواصل، وتتبّع أنماط التفاعل، وقياس مستويات الغضب أو الخوف، ثمّ ضخ محتوى موجّه مباشر أو غير مباشر. هنا تتحول البيانات إلى أداة حرب نفسية (Psychological Warfare)، ويصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لإدارة الانطباعات لا الوقائع.

 وحدة 8200 وصناعة القرار السياسي

في هذا النموذج، تُختزل السياسة إلى بيانات، ويُختزل القرار إلى مخرجات خوارزمية (Algorithmic Outputs). تقديرات الموقف، وخيارات التصعيد أو التهدئة، وتوقيت العمليات، وحتّى الخطاب السياسي والإعلامي، باتت جميعها متأثرة بما تنتجه وحدة 8200 من تحليلات قائمة على السلوك الجماعي واتّجاهات الرأي.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في عسكرة السياسة، بل في نزع البعد الأخلاقي عن القرار. حين تُقدَّم المجتمعات كمدخلات قابلة للمعالجة، يصبح الإنسان مادة خام في معادلة أمنية باردة. وهذا ما يفسّر سهولة تمرير قرارات كارثية تُبرَّر بلغة الأرقام والدقّة التقنية.

أمام هذا الواقع، يصبح كشف دور وحدة 8200 في الحرب الرقمية وصناعة القرار ضرورة معرفية وإعلامية. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على من يملك تعريف الواقع نفسه. والمطلوب ليس رفض التكنولوجيا أو الهروب من العصر، بل كسر منطق التسليم الأعمى لعدوٍّ يعلن عقيدته ويكشف أدواته، ليس سذاجة، بل من باب التفريط المقصود لتمكين منظومة صُمّمت للسيطرة لا للتعايش.

الكلمات المفتاحية
مشاركة