اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ترامب ومملكة الشيطان في وثائق إبستين.. طقوس وشعارات من واشنطن إلى بيروت

نقاط على الحروف

الخوارزميات كأداة هيمنة: كيف تُدار الحرب المعلوماتية لإعادة تشكيل وعي
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الخوارزميات كأداة هيمنة: كيف تُدار الحرب المعلوماتية لإعادة تشكيل وعي "الشرق الأوسط"؟

220

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

في الأدبيات النقدية للسلطة الحديثة، لا تُفهم الهيمنة بوصفها فعلاً عسكرياً صرفاً، بل بوصفها منظومة متكاملة لإدارة الإدراك. القوة لا تُمارَس فقط عبر الدبابات والطائرات، بل عبر اللغة، والصورة، وانتقاء الوقائع، وتحديد ما يُرى وما يُحجب. وإذا كان القرن العشرون قد شهد صعود الإعلام الجماهيري بوصفه أداة لإنتاج "القبول"، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقال هذه الوظيفة إلى الخوارزمية، بوصفها العقل غير المرئي الذي يعيد ترتيب العالم أمام أعيننا.

في هذا السياق، تتحوّل الحرب المعلوماتية في "الشرق الأوسط" إلى امتداد بنيوي للصراع الجيوسياسي. لم تعد المعركة تدور حصراً حول الأرض أو الموارد أو التوازنات العسكرية، بل حول الوعي ذاته: من يعرّف الحدث؟ من يحدّد أولوياته؟ من يمنح بعض الوقائع وزناً أخلاقياً مطلقاً، ويجرّد وقائع أخرى من إنسانيتها؟ هنا تحديداً تتقاطع التكنولوجيا مع الاستراتيجية، وتصبح الخوارزمية أداة هيمنة.

من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على السردية

تاريخ الصراع في المنطقة يكشف أن التحكم بالسردية كان دوماً جزءاً من التحكم بالواقع. غير أن ما تغيّر اليوم هو البنية التحتية التي تُدار عبرها هذه السرديات. المنصات الرقمية، التي تقدّم نفسها بوصفها فضاءات "محايدة" للتواصل، تعمل وفق منطق اقتصادي وسياسي محدد: تعظيم التفاعل، إعادة تدوير الانتباه، وتحويل البيانات إلى سلعة. ضمن هذا المنطق، لا تكون الحقيقة معياراً للانتشار، بل القابلية للإثارة والاستقطاب.

بالنسبة لـ "إسرائيل"، التي راكمت خبرة طويلة في مجالات الاستخبارات والحرب النفسية، تمثل هذه البيئة الرقمية فرصة استراتيجية. فـ "الدولة" التي بنت جزءاً مهماً من تفوقها على التفوق التكنولوجي، تدرك أن المعركة المقبلة لا تُحسم فقط في ميدان القتال، بل في ميدان الإدراك. وهذا بعد الفشل في السيطرة على السردية المرئية. بذلك، يصبح الاستثمار في التأثير الرقمي امتداداً طبيعياً لعقيدة أمنية أوسع.

الخوارزمية بوصفها بنية قوة

الخوارزمية ليست مجرد أداة تقنية؛ إنها بنية تنظّم الرؤية. هي التي تقرر أي منشور يظهر أولاً، وأي فيديو يصبح "رائجاً"، وأي وسم يتحول إلى "ترند". في هذا الإطار، يصبح التلاعب بالخوارزميات أو استغلال منطقها جزءاً من عملية هندسة الإدراك.

عندما تُنشأ شبكات من الحسابات الوهمية بلغات محلية دقيقة، أو تُضخّ مضامين مصممة لإثارة الانقسام الطائفي والسياسي، فإن الهدف لا يكون إقناع الجميع برواية محددة، بل خلق بيئة من الشك والفوضى المعرفية. الفوضى هنا ليست عرضاً جانبياً، بل هي هدف بحد ذاته: مجتمع غارق في التشكيك الدائم، عاجز عن التمييز بين الخبر والتحريض، يصبح أقل قدرة على بناء موقف سياسي متماسك.

تُشير تقارير صادرة عن "معهد دراسات الأمن القومي" إلى تطور دور الوحدات السيبرانية، ولا سيما الوحدة 8200، من جمع المعلومات إلى إدارة التأثير. هذا التحول يعكس إدراكاً بأن البيانات ليست فقط مصدراً للاستخبارات، بل مادة خام لإعادة تشكيل المزاج العام.

العمليات النفسية في الفضاء الرقمي

العمليات النفسية ليست جديدة؛ الجديد هو سرعتها وانتشارها وتكلفتها المنخفضة نسبياً. في الماضي، كانت الحملات الدعائية تتطلب مؤسسات إعلامية ضخمة. اليوم، يمكن لفريق صغير أن يدير آلاف الحسابات، ويغذيها بمحتوى مُصمم بعناية، ويستهدف شرائح محددة وفق اهتماماتها وسلوكها الرقمي.

في الداخل الإيراني، يُلاحظ تركيز على تضخيم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وربطها مباشرة بالخيارات الجيوسياسية. الرسالة الضمنية بسيطة: السياسات الإقليمية هي سبب معاناتكم اليومية. الهدف ليس بالضرورة إسقاط النظام فوراً، بل خلق فجوة نفسية بين المجتمع والدولة.

أما في السياق العربي، فتُستثمر الانقسامات الطائفية والسياسية لتكريس صورة إيران بوصفها تهديداً وجودياً. هذه السردية لا تُبنى فقط عبر الخطاب المباشر، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات: تضخيم أخطاء طرف، وتجاهل سياق أوسع من الاحتلال والعنف البنيوي. إلا أنه مع التحولات الميدانية الأخيرة، أخذت قطاعات واسعة من الرأي العام تعيد ترتيب أولوياتها الإدراكية، بحيث لم تعد الخصومات الإقليمية تُرى باعتبارها التهديد المركزي، بل أصبح الاحتلال ذاته يُستعاد بوصفه البنية الأصلية للصراع، وكل ما عداه يتفرع عنها.

الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، دخلت الحرب المعلوماتية مرحلة أكثر تعقيداً. "التزييف العميق" للصوت والصورة يتيح إنتاج مواد تبدو حقيقية إلى حد كبير. في بيئة مشبعة أصلاً بعدم الثقة، يمكن لمقطع صوتي أو فيديو مفبرك أن يشعل أزمة سياسية أو يفاقم توتراً قائماً.

غير أن الخطورة لا تكمن فقط في التزييف ذاته، بل في أثره التراكمي: عندما يدرك الجمهور أن كل شيء قد يكون مزيفاً، يتراجع الإيمان بإمكانية الوصول إلى حقيقة موضوعية. هنا يتحقق أحد أهداف الهيمنة: تحويل الحقيقة إلى مسألة نسبية بالكامل، بحيث تتساوى الوقائع والادعاءات.

حدود التأثير: اختبار الميدان

على الرغم من هذا الاستثمار الضخم، ثمة حدود بنيوية للتأثير الرقمي. التجربة التاريخية تُظهر أن الإدراك الجمعي لا يُعاد تشكيله بسهولة، خصوصاً في المجتمعات التي راكمت خبرة طويلة في الصراع.

في إيران، ورغم الاحتجاجات والأزمات، التي بالأصل كانت نتيجة عقوبات اقتصادية أميركية، يظهر حس سيادي قوي يميز بين النقد الداخلي المشروع وبين ما يُدرَك كتدخل خارجي. عندما تأتي رسائل "التعاطف" من جهات تُصنّف تقليدياً كخصوم، فإنها تُقابل غالباً بالريبة.

في العالم العربي، تآكلت تدريجياً السردية التي تُقدّم "إسرائيل" كحليف محتمل ضد "الخطر الإيراني". صور الحروب المتكررة في قطاع غزة، ومشاهد القصف والحصار، أعادت ترتيب الأولويات الأخلاقية لدى قطاعات واسعة. هنا تصطدم الخوارزمية بما يمكن تسميته "اختبار الميدان": الواقع الملموس الذي يتجاوز أي إعادة صياغة رقمية.

التناقض الأخلاقي وفقدان المصداقية

من أبرز معوقات الحرب المعلوماتية التناقض الظاهر بين الخطاب والممارسة. حين تُرفع شعارات حقوق الإنسان في سياق، وتُتجاهل في سياق آخر، تتآكل المصداقية. الجمهور ليس كتلة ساذجة بالكامل؛ هو قادر على رصد التناقضات، خصوصاً عندما تكون الفجوة بين الخطاب والصورة اليومية صارخة.

هذا لا يعني أن حملات التأثير بلا أثر، بل يعني أن أثرها مشروط بسياق أوسع. في لحظات معينة، قد تنجح في خلق بلبلة أو تأجيج انقسام، لكنها تجد صعوبة في ترسيخ سردية مستقرة إذا كانت الوقائع على الأرض تناقضها باستمرار.

إعادة تعريف المقاومة: من السلاح إلى الوعي

إذا كانت الخوارزمية أداة هيمنة، فإن المواجهة لا يمكن أن تكون تقنية فقط. لا يكفي إنشاء حسابات مضادة أو إطلاق وسوم مضادة. المطلوب هو بناء حصانة معرفية: تعليم مهارات التحقق، تفكيك البروباغندا، فهم منطق المنصات.

تفكيك الخبر المضلل لا يقتصر على نفيه، بل يتطلب شرح آلية صناعته: من صاغه؟ من روّجه؟ ما السياق الذي يخدمه؟ عندما يفهم الجمهور هذه الآليات، تتراجع فاعلية التضليل.

كذلك، يصبح توثيق الوقائع بدقة، وعرضها بلغة واضحة، جزءاً من استراتيجية "الهجوم بالحقيقة". الحقيقة هنا ليست شعاراً أخلاقياً مجرداً، بل أداة سياسية مضادة، قادرة على وضع ماكينة التضليل في موقع دفاعي.

التحالفات غير المعلنة بين الدولة والمنصة

لا يمكن فهم الحرب المعلوماتية دون الإشارة إلى العلاقة المعقدة بين الدول والمنصات الرقمية الكبرى. هذه المنصات، وإن أعلنت حيادها، تعمل ضمن بيئة سياسية واقتصادية محددة. قرارات الحذف أو الترويج أو خفض الوصول “Shadow bannin” ليست دائماً تقنية بحتة؛ هي تتأثر بضغوط سياسية وقانونية.

في هذا السياق، تتقاطع مصالح دول تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً مع منطق الشركات الباحثة عن الاستقرار في الأسواق الكبرى. النتيجة ليست مؤامرة بالضرورة، بل بنية تفضّل سرديات معينة وتُهمّش أخرى، غالباً تحت عناوين "مكافحة التضليل" أو "حماية المعايير المجتمعية".

ما بعد الوهم: هل تكفي التكنولوجيا؟

السؤال المركزي يبقى: هل يمكن للتكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، أن تفرض سردية على مجتمع إذا كانت هذه السردية تتعارض جذرياً مع تجربته الملموسة؟

التجربة تشير إلى أن التكنولوجيا قادرة على التأثير، والتشويش، وربما التأخير، لكنها أقل قدرة على قلب قناعات راسخة تشكلت عبر عقود من الصراع. الهيمنة الرقمية قد تنجح في إعادة ترتيب النقاشات، لكنها تصطدم في نهاية المطاف بحدود الواقع.

في “الشرق الأوسط”، حيث الذاكرة السياسية حاضرة بقوة، وحيث الصور الميدانية تنتشر بسرعة، يصبح من الصعب تثبيت رواية تتجاهل الوقائع اليومية. الخوارزمية قد تُعيد ترتيب المشهد، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الجماعية بسهولة.

المعركة على الوعي لم تُحسم

الحرب المعلوماتية ليست هامشاً للصراع، بل قلبه الجديد. "إسرائيل"، مستفيدة من بنيتها التكنولوجية والاستخبارية، استثمرت بكثافة في هذا المجال، ساعية إلى إعادة تشكيل الوعي في إيران والعالم العربي. غير أن هذا الاستثمار يصطدم بحدود بنيوية: الوعي المتراكم، التناقض الأخلاقي، واختبار الميدان.

الدرس الأوسع يتجاوز الحالة "الإسرائيلية". في عالم تُدار فيه المنصات عبر خوارزميات غير شفافة، تصبح الديمقراطية نفسها رهينة منطق تجاري–سياسي معقد. السؤال ليس فقط كيف تُستخدم الخوارزميات في “الشرق الأوسط”، بل كيف يمكن للمجتمعات أن تستعيد السيطرة على فضائها المعرفي.

في النهاية، تبقى الحقيقة – بكل تعقيدها وتناقضاتها – أكثر صلابة من أي نموذج حسابي. قد تُشوَّه، قد تُؤجَّل، لكنها تظل مرتبطة بوقائع لا يمكن حذفها بضغطة زر. المعركة على الوعي مستمرة، لكن نتائجها لن تُحسم في مراكز البيانات وحدها، بل في قدرة المجتمعات على فهم اللعبة ذاتها، ورفض أن تتحول إلى مجرد بيانات في معادلة هيمنة أكبر.

الكلمات المفتاحية
مشاركة