مقالات مختارة
ميسم رزق - صحيفة الأخبار
السؤال الأكثر تداولاً في اليومين الأخيرين يتمحور حول مصير الجبهة اللبنانية في حال توقّفت الحرب على إيران. ويأتي ذلك على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحدث فيها عن اقتراب انتهاء العدوان على إيران، قبل أن تتبعها تصريحات "إسرائيلية" وتسريبات غربية تشير إلى وجود توجّه للفصل بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية. وكان لافتاً ما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز» عن أن «"إسرائيل" تستعد لحرب ممتدة في لبنان تتجاوز حرب إيران».
في الأثناء، تكاثرت التسريبات عن «نقاش أولي» يجري في العاصمة الأميركية حول ملف لبنان، وسط تأكيدات بأن الموفد توم برّاك، عاد ليتولى هذا الملف بالتعاون مع المبعوث ستيف ويتكوف. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن لا تنوي منح أوروبا أو أي طرف دولي آخر فرصة لتأدية دور في هذا الإطار، مفضّلة الاعتماد على اتصالات مباشرة تجريها مع كل من لبنان و"إسرائيل".
وكانت "إسرائيل" قد نعت مسار التفاوض مع الحكومة اللبنانية، معلنة عدم ثقتها بأي حلول دبلوماسية برعاية دولية. وترافق ذلك مع تسريبات صهيونية تفيد بأن "تل أبيب" قررت الإمساك بزمام المبادرة لإنهاء حزب الله، في ظل مؤشرات ميدانية توحي بالتحضير لعملية برية واسعة.
وقالت مصادر واسعة الاطّلاع لـ«الأخبار» إن «العدو حمّل الوسطاء رسالة واضحة مفادها أنه يفصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وأنه بصدد استكمال عملياته العسكرية ضد حزب الله بمعزل عن مسار الحرب في المنطقة». ووفق المصادر، تؤكد "إسرائيل" أنها «لن تتراجع عن هدف توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان بعمق سبعة كيلومترات، فضلًا عن اتخاذ قرار بالتوغّل في البقاع لتنفيذ عمليات خاصة تستهدف منشآت الصواريخ البالستية والمسيّرات». كما يتكرر في الأوساط "الإسرائيلية" الحديث عن أن وقف الحرب مع إيران سيعني انتقال كامل الثقل العسكري "الإسرائيلي" إلى الجبهة اللبنانية، في إطار مسعى إلى توسيع نطاق الاحتلال الميداني قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وتبدو "إسرائيل" مرتاحة إلى الموقف الأميركي الفاتر إزاء ما يصدر عن لبنان الرسمي. ويردد مسؤولون في واشنطن أن الإحباط الأميركي يعود إلى ما يصفونه بـ«تضييع السلطة في لبنان فرصًا كثيرة خلال عام ونصف عام لتنفيذ التزاماتها بسحب سلاح حزب الله». وقد ارتفع منسوب التهديد "الإسرائيلي" بعدما لاحظت "تل أبيب"، وفق تقديراتها الميدانية، أن الحزب لا يزال يحتفظ بقدراته العسكرية، وأنه قادر على العمل جنوب نهر الليطاني، وعلى إطلاق الصواريخ وخوض القتال.
برّاك يعمل مع ويتكوف على ملف لبنان وسفير أميركا يرفع سقف المطالب من الحكومة رافضاً العودة إلى «الميكانيزم»
في هذا السياق، برزت زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، في أول لقاء يحمل طابعًا عمليًا بين الرجلين بعد مدة من «البرودة» والانتقادات غير المباشرة التي كان عيسى يوجّهها إلى رئيس المجلس. وقالت مصادر مطّلعة إن الزيارة «لم تكن إيجابية»، إذ شدّد عيسى على موقف بلاده الرافض لأي مبادرة سياسية قبل الشروع في نزع سلاح حزب الله، مؤكدًا أن المطلوب أولًا أن يتولى الجيش اللبناني تنفيذ هذه المهمة قبل الدخول في أي نقاش آخر. وبحسب المصادر، نقل السفير الأميركي رسالة واضحة مفادها أن "إسرائيل" ستواصل عملياتها العسكرية بدعم أميركي كامل. وأوضحت المصادر أن عيسى حرص أيضًا على التأكيد على «عدم انتظار نتائج الحرب مع إيران، لأن لكل جبهة ظروفها الخاصة»، وأن الولايات المتحدة «غير مستعدة لتقديم أي غطاء سياسي لوقف الحرب ما لم يسبق ذلك تغيير داخلي في لبنان».
وللمرة الأولى، خرج عن بري موقف متمايز عن رئيسي الجمهورية والحكومة، حيث نُقل عنه بعد انتهاء اجتماعه بالسفير الأميركي أنه يتمسك بالعودة إلى القرار 1701 وبدور «الميكانيزم»، فيما حسمت واشنطن و"تل أبيب" أمرهما بعدم جدواها. وسبقَ عيسى إلى عين التينة مطلب أكثر خطورة، مفاده أن واشنطن لا تكتفي بالمطالبة بسحب سلاح الحزب، بل تريد من الدولة اللبنانية الذهاب إلى خطوة أبعد تقضي بحظر حزب الله بالكامل، وليس نشاطه العسكري فقط، عبر تصنيفه رسميًا «منظمة إرهابية».
في موازاة ذلك، كشفت معلومات أن الاتصال الذي جرى بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو كان «عاصفًا»، قبل أن يعلن السفير "الإسرائيلي" لدى فرنسا جوشوا زاركا أن «الحكومة اللبنانية لا تزال عاجزة عن تنفيذ التزاماتها وتخشى انزلاق البلاد نحو حرب أهلية»، مضيفًا أن "إسرائيل" «لا ترى مؤشرات على أن الجيش اللبناني يمضي في نزع سلاح حزب الله»، وأنه «لا يملك معلومات حول وجود قرار "إسرائيلي" بالتفاوض مع حكومة بيروت لإنهاء الحرب».
وفي السياق نفسه، اعتبرت رئيسة مركز «ألما» "الإسرائيلي" ساريت زهافي أنه «من غير المتوقع أن تتخذ الحكومة اللبنانية خطوات عملية لنزع سلاح حزب الله، رغم الانتقادات التي صدرت في بيروت للحزب في الأيام الأخيرة». ورأت أن «السلطات اللبنانية تخشى اندلاع حرب أهلية أكثر مما تخشى مواجهة "إسرائيل"»، مضيفة أن تنفيذ هذا المسار «يتطلب مواجهة مباشرة مع حزب الله، وهو ما لم تُبدِ الحكومة اللبنانية استعداداً للقيام به».
استخبارات غربية تريد التواصل مع حزب الله
علمت «الأخبار» أن دولتين أوروبيتين طلبتا، عبر وسطاء، التواصل مع «حزب الله» من أجل البحث في الوصول إلى صيغة تسوية للخروج من الوضع الراهن. وأرسلت الدولتان، بواسطة مديري الاستخبارات فيهما، رسائل أولية إلى الحزب في الأيام الأخيرة لطلب اللقاء، وأبدتا الاستعداد للقيام بمفاوضات مكوكية بين لبنان وكيان العدو. وفي المعطيات أن طالبَي الوساطة لم يتلقيا ردًا بعد، وهو ما عُزي إلى الإجراءات المعقدة التي يعتمدها الحزب في التواصل.
يشار إلى أنه سبق لأجهزة استخبارات غربية أن طلبت الأمر نفسه، وتبين أنها نسقت الخطوة مسبقًا مع الجانب الأميركي، لكن حزب الله لم يجد منفعة من اللقاء معها.