نقاط على الحروف
تُعدّ إيران في قلب الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط حاضرةً في كل زاوية من الصراع، لكنها في الحقيقة لم تستخدم كل ما لديها. فما يجري ليس استعراض قوة كامل، بل إدارة محسوبة للتصعيد وضغط مستمر دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. وهذه هي المفارقة: فكلما بدا المشهد مشتعلًا، كان واضحًا أكثر أن هناك حدودًا لم يتم تجاوزها بعد. إن إيران لا تنظر إلى الحرب كمعركة واحدة تُحسم بسرعة، بل كمسار طويل تُستخدم فيه الأدوات تدريجيًا، لذلك فإن أهم ما تملكه ليس سلاحًا محددًا، بل قدرتها على التحكم بإيقاع التصعيد، ومتى ترفع المستوى ومتى تُبقي الأمور تحت السيطرة.
أول ما يلفت النظر هو تعدد الجبهات، حيث تحضر إيران بشكل مباشر أو غير مباشر في لبنان والعراق واليمن وغيرها، إضافة إلى البحر. لكن ما يحدث الآن هو تشغيل جزئي لهذه الساحات، وليس انفجارًا شاملًا. فالقوة الحقيقية هنا لا تكمن في وجود هذه الجبهات، بل في إمكانية تشغيلها كلها في وقت واحد وبأقصى طاقة، وهذا السيناريو وحده كفيل بتحويل أي مواجهة إلى حرب إقليمية واسعة، وهو ما يبدو أن طهران تتجنبه حتى الآن. ثم يأتي البعد الاقتصادي، حيث تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويبرز مضيق هرمز كنقطة ضغط عالمية. فمن دون إغلاقه رسميًا، يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفًا بالمخاطر كي تتأثر الأسواق وترتفع الأسعار، وهنا تظهر إحدى أهم أوراق إيران في التأثير دون الإعلان، والتعطيل دون المواجهة المباشرة.
بالتوازي، هناك مسار أكثر حساسية يتعلق بالطاقة. فبدل الاكتفاء بالمواجهة العسكرية، يمكن تحويل الصراع إلى أزمة اقتصادية عبر استهداف منشآت النفط والغاز أو تعطيل طرق الإمداد. وما حدث حتى الآن يبقى محدودًا نسبيًا، لكن توسيع هذا النمط قد يغير طبيعة الحرب بالكامل، وينقلها من صراع إقليمي إلى أزمة عالمية. أما الورقة الأكثر ثقلًا فهي الملف النووي، لا كقنبلة بالضرورة، بل كحالة قرب من القنبلة. وهذا الوضع يمنح إيران مساحة واسعة للمناورة؛ فهي تملك القدرة دون أن تعلنها، وتلوّح دون أن تستخدمها. وقوة هذه الورقة تكمن في الغموض، لأن الانتقال من الاحتمال إلى الواقع سيقلب كل الحسابات، وقد يدفع الجميع إلى قرارات أكثر خطورة.
في المقابل، تبقى الضربات المباشرة التي تقوم بها إيران محدودة ومضبوطة، ولم تتحول بعد إلى نمط يومي مستمر من الاستنزاف. ولو حدث ذلك، فإن المعركة ستتغير من مواجهات متقطعة إلى ضغط دائم يُرهق الخصوم نفسيًا وعسكريًا على المدى الطويل. لكن ربما الورقة الأهم والأكثر هدوءًا هي الزمن نفسه، حيث تراهن إيران على أن خصومها، رغم تفوقهم العسكري، أقل قدرة على تحمل حرب طويلة ومكلفة. ومع مرور الوقت، تتراكم الضغوط الاقتصادية والسياسية، ويتحول الصراع إلى اختبار صبر أكثر منه اختبار قوة.
في سلسلة من الإطلالات الإعلامية الحديثة للبروفيسور جون ميرشايمر خلال شهر آذار من عام 2026، وتحديدًا في لقاءاته مع قناة جادجينغ فريدوم في 3 و17 آذار، ومنصة بريكينغ بوينتس في 11 و19 آذار، بالإضافة إلى مقابلاته على قناة سي جي تي إن في 12 و18 آذار، يرى ميرشايمر، أشهر عالم في العلوم السياسية، أن الإيرانيين أصبحوا يمتلكون أوراق القوة في الصراع الحالي، متفوقين بذلك على أميركا و"إسرائيل". ويشير إلى أن "إسرائيل" بدأت تنفرد بقيادة المشهد وتجر واشنطن نحو مواجهة مستعدة فيها للاستمرار حتى آخر جندي أميركي. ويبرز البعد الاقتصادي كمعضلة كبرى بعد أن تجاوز سعر برميل النفط حاجز 115 دولارًا على إثر الهجمات على حقول الغاز والردود الإيرانية في الخليج، وهو ما يُعد كارثة للاقتصاد العالمي، يُحسّن وضع طهران ويضعف موقف واشنطن التي كانت تهدف دائمًا لبقاء الأسعار تحت سقف 100 دولار. ولا يتوقف الأمر عند الطاقة، بل يمتد ليشمل الأسمدة الزراعية التي يمر ثلث إنتاجها العالمي عبر مضيق هرمز، ما يهدد بغلاء فاحش وأزمات غذاء دولية تعزز من نفوذ إيران الميداني.
يؤكد ميرشايمر أن فرص التسوية التفاوضية قد فاتت، لأن إيران تسيطر الآن على أهداف أميركية ونفطية استراتيجية، ولم تعد تقبل بأقل من رفع كامل للعقوبات وتعويضات وضمانات عدم اعتداء، وهو ما يستحيل على الإدارة الأميركية الحالية و"إسرائيل" تقديمه. وفي الوقت نفسه، يصف استراتيجية اغتيال القادة المعتدلين في إيران بأنها وهم فاشل يؤدي إلى صعود المتشددين وغلق أبواب الدبلوماسية تمامًا، ما يتسبب في اضطرابات جيوسياسية تمتد آثارها إلى حلفاء أميركا في آسيا وأوروبا، بل وتعيد العراق إلى حالة عدم الاستقرار. ويعتبر أن "إسرائيل" وعملاءها داخل دوائر صنع القرار الأميركي هم من دفعوا بالولايات المتحدة إلى هذا المأزق عبر تقديم تقارير مضللة حول ضعف النظام الإيراني وسهولة انهياره.
فيما يخص الميدان اللبناني، يرى ميرشايمر أن حزب الله لا يزال واقفًا على قدميه وقادرًا على استهداف شمال "إسرائيل" بانتظام، معتبرًا أن وصول القوات "الإسرائيلية" إلى نهر الليطاني أصبح شبه مستحيل نظرًا لطبيعة الأرض والخسائر الكبيرة في العتاد. ويحلل سيكولوجية نتنياهو بأنه مدمن حروب يفتقر للرؤية السياسية، ويستخدم التصعيد العسكري كوسيلة شخصية للهروب من أزماته القانونية، محذرًا من أن أي محاولة للسيطرة البرية على مضيق هرمز ستكون بمثابة فخ يسقط فيه ترامب ويغرق في مستنقع طويل الأمد، خاصة وأن إيران تمتلك ترسانة من الألغام والمسيرات والصواريخ التي تجعل العبور من المضيق مستحيلًا، حتى لو تمت السيطرة على الشواطئ، ما يجعل النتائج كارثية على كافة الأصعدة.
يتضح في النهاية أن إيران لا تحتفظ بورقة واحدة رابحة، بل بمنظومة كاملة من الخيارات المؤجلة. فهي تضغط لكنها لا تكسر السقف، وتصعّد لكنها لا تصل إلى الذروة، لأن الوصول إلى الذروة لا يعني الانتصار بالضرورة، بل قد يعني بداية حرب لا يمكن السيطرة عليها. وهنا تكمن المعادلة الحقيقية في أن كل ورقة لم تُستخدم بعد تمنح إيران قوة إضافية، لكن استخدامها الكامل قد يكون اللحظة التي يفقد فيها الجميع السيطرة. وفي خضم هذا المشهد، تُعتبر نتائج المواجهة حتى الآن لا تعكس تفوقًا حاسمًا للطرف الأميركي أو "الإسرائيلي"، بل تُظهر قدرة إيران على الصمود والاستمرار.
هذا ما جعل الناشط السياسي الأميركي جاكسون هنكل، عبر منصة إكس في تاريخ 20 آذار 2026، يعلق على استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية وعدم توقفها، وبقاء البرنامج النووي الإيراني دون تفكيك، واستمرار النظام السياسي في إيران دون تغيير، وبقاء مضيق هرمز تحت التأثير الإيراني، إضافة إلى تعرض القواعد الأميركية لهجمات متكررة، وتصاعد التهديد في البحر الأحمر، وارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ، ووجود خسائر ميدانية ومادية في بعض الأصول العسكرية الأميركية، مع استمرار الضغط العسكري على "إسرائيل" من أكثر من جبهة، وتزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب. وهذه القراءة، سواء اتُّفق معها أم لا، تعكس جانبًا مهمًا من واقع الصراع، في أن الحرب حتى الآن لم تُحسم، وأن ميزانها لا يُقاس فقط بالضربات، بل أيضًا بالقدرة على الاستمرار والتحمل. وبين السرديات المختلفة، تبقى الحقيقة الأوضح أن المنطقة ما زالت داخل معركة مفتوحة لم تصل بعد إلى ذروتها.