عين على العدو
نشر موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" "الإسرائيلية" معطيات ميدانية تعكس تصاعدًا لافتًا في وتيرة العمليات العسكرية، سواء من جانب حزب الله أو من قبل إيران، بما يكشف فشل التقديرات الإسرائيلية والأميركية التي حاولت التقليل من قدرات محور المقاومة خلال الأيام الأولى للحرب.
ففي اليوم العاشر من المواجهة، ادعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن “القدرات الصاروخية لإيران انخفضت إلى عشرة في المئة، وربما أقل”، فيما أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد ذلك بأيام أن “القدرة النارية المتبقية لدى حزب الله سيتم التعامل معها قريبًا”. "منذ ذلك الحين مرّ أسبوعان إضافيان، لكن كلًا من إيران وحزب الله يواصلان إطلاق الصواريخ والقذائف بل ويكثفان النيران ويغيران التكتيك".
تشير المعطيات إلى تسجيل واحدة من أعلى وتائر الإنذار في الجبهة الشمالية خلال الأيام الماضية، مع مئات صفارات الإنذار الناتجة عن إطلاق الصواريخ من لبنان. وقد بلغ أداء حزب الله ذروة ملحوظة من حيث عدد عمليات الإطلاق، حيث ركزت نسبة كبيرة منها على استهداف القوات "الإسرائيلية" المتوغلة في جنوب لبنان، في حين وصلت دفعات أخرى إلى عمق الأراضي المحتلة، مستهدفة مستوطنات الشمال.
وخلال الأسبوع الأخير، اعتمدت المقاومة نمطًا يقوم على إطلاق رشقات كثيفة ومتزامنة نحو عدة مدن ومناطق في الشمال، شملت حيفا ومحيطها، نهاريا، عكا، صفد وغيرها. كما وسّع حزب الله نطاق الاستهداف ليشمل، في بعض المراحل، مناطق أبعد باتجاه الوسط، مؤكدًا قدرته على تجاوز الحدود التقليدية للاشتباك وفرض معادلات جديدة في الميدان.
في المقابل، تُظهر المعطيات أن إيران بدورها أدخلت تعديلات واضحة على تكتيكاتها العسكرية خلال الفترة الأخيرة. فبعد انخفاض ملحوظ في وتيرة الهجمات باتجاه بعض دول الخليج، حافظت طهران على مستوى ثابت من إطلاق الصواريخ باتجاه "إسرائيل"، مع إدخال تغييرات نوعية في أسلوب التنفيذ.
وتشير التحليلات إلى أن إيران انتقلت إلى نمط “الموجات الهجومية”، حيث يتم إطلاق دفعات متتالية من الصواريخ نحو نفس المنطقة أو مناطق متقاربة، في محاولة لاختبار منظومات الدفاع الجوي "الإسرائيلية" واستنزافها. كما لوحظ اعتماد أسلوب الإطلاق المتزامن نحو عدة أهداف في آن واحد، ما يزيد من تعقيد عملية الاعتراض ويضاعف احتمالات الاختراق.
وفي بعض الحالات، جرى تنفيذ إطلاقات متتابعة بفواصل زمنية قصيرة جدًا، وأحيانًا نحو نفس الهدف، في إطار الضغط المستمر على الجبهة الداخلية "الإسرائيلية". كما استُخدمت أنواع مختلفة من الرؤوس الحربية، بما في ذلك صواريخ ذات حمولة محدودة، وأخرى ذات تأثير تدميري واسع، في تنويع واضح للأدوات المستخدمة ضمن المعركة.
تُظهر هذه التطورات أن المعركة لم تعد قائمة على عدد الصواريخ فقط، بل على كيفية استخدامها وتوقيتها، وهو ما يعكس تحولًا نحو إدارة أكثر تعقيدًا ومرونة للنيران. ويُلاحظ في هذا السياق أن وتيرة الإطلاق ترتبط أحيانًا بظروف ميدانية أو بضربات يتعرض لها الجانب الإيراني، ما يشير إلى وجود تفاعل ديناميكي مباشر مع مجريات الصراع.
أما على مستوى الجبهة اللبنانية، فتبرز مؤشرات على اعتماد حزب الله أساليب توقيت دقيقة لعمليات الإطلاق، سواء على مستوى الدقائق أو ساعات اليوم، بما في ذلك تزامن بعض الرشقات مع أوقات الذروة الإعلامية، وهو ما يعكس بعدًا نفسيًا وإعلاميًا مكمّلًا للعمل العسكري، يهدف إلى تعظيم التأثير داخل الكيان.
بشكل عام، تكشف هذه المعطيات أن محور المقاومة لا يزال يمتلك قدرة نارية فعالة، وأنه نجح في الحفاظ على زخم العمليات، بل وتطويرها رغم شدة المواجهة. كما تؤكد أن الرهان "الإسرائيلي" على تآكل القدرات خلال فترة قصيرة لم يتحقق، وأن المعركة تتجه نحو نمط استنزاف طويل، تلعب فيه الكثافة النارية، والتكتيك، والمرونة دورًا حاسمًا في تحديد مسارها.