خاص العهد
ندوة "الجبهة المغربية" في ذكرى يوم الأرض: النضال الفكري كجبهة إسناد
ندوة "الجبهة المغربية": تفكيك بنيوي للمشروع الصهيوني
لم يكن إحياء الذكرى الخمسين ليوم الأرض الفلسطيني في الرباط مجرد استعادة لحدث تاريخي عابر، بل تحول إلى محطة للنضال الفكري والسياسي بامتياز. ففي الندوة الفكرية التي نظمتها "الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع"، تحت عنوان: "الأرض في قلب الصراع مع المشروع الصهيوني"، اجتمع أكاديميون وسياسيون ليرسلوا رسالة مفادها أن مواجهة "الصهينة" تبدأ أولًا بتفكيك أسسها الفكرية وتحصين الوعي الجمعي من اختراقات "بروباغندا التطبيع".
النضال الفكري: الجدار الأول للمقاومة
أجمعت المداخلات على أن تنظيم هكذا ندوات يعد فعلًا نضاليًا يهدف إلى كسر محاولات "تطبيع الهزيمة" النفسية، وإعادة الاعتبار للمفاهيم الوطنية التي تتعرض للتمييع في ظل سياسات الانفتاح الاقتصادي والثقافي المشبوه. وفي قراءة سوسيولوجية عميقة، أرسى الدكتور محمد الناجي المؤرّخ وأستاذ السوسيولوجيا الاقتصاديّة في جامعة محمد الخامس، الرباط، دعائم النقاش بالتركيز على "الذاكرة" كحقل للألغام في وجه المشروع الصهيوني. الناجي اعتبر أن معركة الأرض في فلسطين هي في جوهرها معركة ضد "المحو الوجودي". فالمشروع الصهيوني، حسب تحليله، لا يكتفي بمصادرة الجغرافيا، بل يسعى لاقتلاع "التاريخ" وإحلال رواية زائفة مكانه. وأكد الناجي أن صمود الفلسطيني فوق ترابه هو "فعل فلسفي" قبل أن يكون سياسياً، لأنه يبطل بوجوده المادي والرمزي كل سرديات "أرض بلا شعب". هذا النضال الفكري الذي يقوده الأكاديمي، يمثل بحسب الناجي، حائط الصد الذي يمنع تحويل "الاحتلال" إلى "واقع شرعي" في العقول.
علي بوطوالة: الكيان "وظيفي" والاقتصاد سلاح للتركيع
وفي حوار خاص على هامش الندوة لـ "العهد" الإخباري، قدم الدكتور علي بوطوالة الأستاذ الجامعي وعضو الجبهة المغربية تشريحاً "جيوسياسياً" شديد الصرامة. بوطوالة أوضح أن الكيان الصهيوني ليس "دولة" بالمعنى التقليدي، بل هو "قاعدة عسكرية وظيفية" زرعها الغرب الإمبريالي لضمان بقاء المنطقة العربية في حالة من التبعية والتجزئة.
وشدد بوطوالة في حديثه على أن السيطرة على الأرض هي "الأداة المادية" لتنفيذ مشروع أكبر وهو "الهيمنة الاقتصادية". وحذر من أن بروباغندا التطبيع تحاول إقناع الشعوب بأن "الرخاء" يمرّ عبر التصالح مع الكيان، بينما الواقع يؤكد أن الهدف هو تحويل المنطقة إلى سوق استهلاكي ومركز لوجستي يخدم المركز الصهيوني-الغربي، مما يقوض أي فرصة لسيادة وطنية حقيقية. النضال الفكري هنا، بحسب بوطوالة، يكمن في كشف "زيف الوعود الاقتصادية" وتبيان أن التطبيع هو انتحار سياسي واقتصادي طويل الأمد.
عبد الصمد فتحي: المقاومة كفعل "استمرارية"
من زاوية ميدانية واستراتيجية، اعتبر الأستاذ عبد الصمد فتحي منسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة أن "يوم الأرض" هو محطة سنوية لتجديد "البيعة الشعبية" مع الثوابت. فتحي أكد أن المشروع الصهيوني قائم بنيوياً على "الإحلال والتهجير"، وأن مواجهة هذا المشروع تتطلب تلاحماً بين المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية والمدنية.
وأشار فتحي إلى أن "بروباغندا التطبيع" في المغرب تحاول عزل القضية الفلسطينية عن سياقها القومي، لكن الرد يأتي دائماً من الشارع ومن هكذا ندوات فكرية تعيد ربط الأمن القومي المغربي بالحق الفلسطيني، معتبراً أن أي اختراق صهيوني للنسيج المغربي هو تهديد مباشر لاستقرار المغرب وقيمه التاريخية.
تشريح الفشل الداخلي للكيان
ولم تغب القراءة السياسية الميدانية عن الندوة، حيث قدم الأستاذ معاذ الجحري تحليلاً لمأزق الكيان الداخلي. الجحري جادل بأن المشروع الصهيوني، رغم ترسانته العسكرية، يعيش "أزمة هوية" خانقة. ففشل استراتيجية "بوتقة الصهر" الهوياتية جعل من "العدوان الخارجي" الوسيلة الوحيدة للحفاظ على تماسك مجتمع "المستوطنين". هذا التفكيك البنيوي الذي قدمه الجحري يهدف إلى نزع هيبة "القوة التي لا تقهر" وإظهار الهشاشة الكامنة خلف جدار الأمن الصهيوني.
خلصت الندوة إلى أن المعركة الحقيقية اليوم تدور في "ميدان الوعي". فالمشروع الصهيوني لا يخشى السلاح فقط، بل يخشى أكثر "العقل العربي" الذي يرفض الاعتراف بشرعيته. إن مثل هذه الندوات الفكرية هي التي تحافظ على جذوة القضية متقدة، وهي التي تحول "يوم الأرض" من ذكرى حزينة إلى برنامج عمل نضالي مستمر يربط الجغرافيا بالتاريخ، والسياسة بالأخلاق، والرباط بالقدس.