نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
حينما قال الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله عبارته الأثيرة العميقة: "إنّ "إسرائيل" هذه أوهن من بيت العنكبوت"، لم يكن يقصد قطعًا افتقارها لأدوات القتل والتدمير، ويقينًا لم يكن يقصد فراغ مخازنها من كل أدوات البطش، وبالتأكيد لم يكن يقصد افتقادها للرغبة في التوسع وارتكاب الجرائم، بحماية الشيطان الأكبر، الذي يوفر لها كل أسباب البقاء والإفلات من العقاب.
ولكن ما بدأ يتكشَّف في هذه المرحلة من معركة العصف المأكول، عن تفاجؤ العدو الصهيوني بكل مستوياته السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، من قدرات حزب الله العسكرية والأمنية، ومن أدائه الميداني القتالي، كان أحد جوانب الوهن الكثيرة، التي كان يقصدها السيد الشهيد، حيث إنّ كيانًا حارب حزب الله على مدار أربعين عامًا وأكثر، لو لم يكن أوهن من بيت العنكبوت، لما تفاجأ بأداء الحزب وقدراته، فأحد أوجه الوهن هو افتقاره للقدرة على فهم طبيعة أعدائه، وافتقاره لقيادةٍ تاريخية، تدرك طبيعة الكيان الوظيفية، وأسباب بقائه وعوامل فنائه، والأهم أن تدرك طبيعة أعدائه وجذورهم ومنطلقاتهم وعقيدتهم.
بعيدًا عن العجز الميداني للجيش المقهور، الذي حاولوا بالنار صلْيَ وعي الأمّة بأنّه لا يُقهر، فإنّ المفاجأة بحدّ ذاتها من أداء الحزب وقدراته، تنمّ عن وهنٍ شديد، حيث إنّ أكثر من أربعين عامًا من القتال والاحتكاك الميداني المباشر، والمواجهة الأمنية والإعلامية، لم تكن كافيةً ليستخلص من هذه التجربة الطويلة والقاسية، عبرة أو معرفة أو إدراكًا.
فحين تقاتل على مدى أربعين عامًا، ثم تتفاجأ بأنّ من تقاتله ليس كما تصوّرت أو توقعت، هنا يصبح الوهن هو العنوان الحصريّ لمأساتِك، مأساتك التي تعانيها ميدانيًا وسياسيًا، وبما أنّك كيانٌ وظيفيّ، تدرك أو يجب أن تدرك، أنّ أخطاءك غير قابلةٍ للاستدراك في بيئةٍ خطرة وقاتلة، وهي مقدمةٌ طبيعية لوصولِك للخطأ الأخير.
وهذا بعكس الشعوب الأصيلة في هذه المنطقة، التي تمتلك ترف الخطأ، وتمتلك حتى ترف البلادة، وتمتلك أيضًا ترف عدم التعلم من الخطأ، أو حتى الأخطاء المتراكمة على مدى عقود، لأنّ الجغرافيا لها والتاريخ لها والمستقبل لها، وتملك كذلك ترف الوقت، وترف عدم استعجال المستقبل، لأنّها بمخزونها الحضاري الضارب في عمق التاريخ، تدرك عن عقلٍ ظاهر أو باطن، أنّها في نهاية الأمر ستصل إلى هناك، بعزّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل.
فحين لا تدرك عن وهن، أنّك تقاتل رجالًا تزول الجبال ولا تزلّ أقدامهم، يقاتلون صفًا كأنّهم بنيانٌ مرصوص،
وتغافلت عن غفلة الوهن، أنّ من تحاربهم يستعصمون بعقيدة الفداء، يمقتون الاستسلام كما تمقت أنت الموت، وأنّهم يرون اليأس والقنوط كفرًا، كما ترى أنت الهروب من الميدان وترك الآليات نجاةً، رجال تعلموا أنّ الأرض حين تسقيها بالدم تقاتل معك، كما تعلمت أنت أنّ التدريع والقتال من خلف جدُرٍ ربحٌ لك، فستكون بالتأكيد جاهلًا هؤلاء القوم.
رجالٌ لديهم الجرأة والثقة والقوة، ليعلنوا عن شهدائهم وعن خسائرهم، فيما أنت بلغت وهنًا تخشى معه الإعلان عن خسائرك، فهذا التكتم الشديد على حجم الخسائر في الأرواح والعتاد، وحتى أماكن سقوط الصواريخ، حدّ اعتباره سرًا وجوديًا، ينمّ عن حقيقة أنّك أوهن من بيت العنكبوت، لأنّ ما تسميه "مجتمعك"، هو مجرد صدفة تاريخية، أتى لهذه الأرض لينعم بالأمن والرفاه، لا ليُقتل على مذابح المشاريع الإمبراطورية، أو ليحيا في الملاجئ تحت سقوف الهلع الدائم.
إنّ تعبير العدو عن تفاجئه لن يقف عند هذا الحدّ، فحزب الله هو حزب المفاجآت، كما حدث منذ أيام، حين قام الحزب باستهداف بارجةٍ عسكرية، على بُعد 68 ميلًا بحريًا من الشاطئ اللبناني، وكلّما تفاجأ العدو أكثر، كلّما بدا واهنًا أكثر، وراكم وهنًا عنكبوتيًا على وهن، لأنّ السيد الشهيد حين قال ببصيرةٍ ثاقبة: إنّ "إسرائيل" هذه أوهن من بيت العنكبوت، كان يعرف أنّ الوهن يتراكم حتى يصبح عتيًا، لا مجال لمعالجته أو صدّه، ونحن نصدّق السيد الشهيد الأقدس.