مقالات
كيف أسقطت "وحدة الساحات" استراتيجية العزل الأميركية - "الإسرائيلية" تجاه لبنان؟
وحدة الساحات: التحول الاستراتيجي الذي أربك واشنطن و"تل أبيب"
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
في لحظات التحول الكبرى، لا تكمن أهمية الأحداث في الوقائع العسكرية وحدها، بل في قدرتها على كشف البنية الحقيقية للقوة وحدودها. ومن هذه الزاوية، تبدو التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب على إيران ولبنان مؤشرًا على أزمة أعمق من مجرد اختلاف في الخطاب السياسي؛ إنها تعكس ارتباكًا في مركز صناعة القرار الأميركي أمام واقع إقليمي لم يعد قابلًا للإخضاع بالوسائل التقليدية.
ففي الوقت الذي يعلن فيه ترمب أن المفاوضات مع إيران تتقدم بوتيرة متسارعة وأن فرص التوصل إلى اتفاق تبدو قائمة، يعود ليقلل من أهمية هذه المفاوضات ذاتها، واصفًا إياها بالمملة وغير الجوهرية. هذا التناقض ليس مجرد نزعة شخصية أو أسلوب تفاوضي، بل يعكس مأزقًا استراتيجيًا تعيشه واشنطن بعدما فقدت القدرة على فرض شروطها الأحادية على المنطقة.
لقد كشفت الأشهر الماضية أن ما يُعرف بـ"وحدة الساحات" لم تعد مجرد إطار سياسي أو شعار تعبوي، بل تحولت إلى معادلة ردع إقليمية فرضت نفسها على حسابات الحرب والسلام، وأصبح أمن الضاحية الجنوبية لبيروت مرتبطًا عضويًا بمسارات الصراع في طهران والخليج والبحر الأحمر، في وقت يغرق فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مشروع توسعي يفتقر إلى الأفق السياسي والاستراتيجي، فيما تتزايد عمليات المقاومة في كل نقطة يحاول الاحتلال تثبيت وجوده فيها، كما تظهر الوقائع الميدانية التي توثقها عدسات الإعلام الحربي.
سقوط مشروع "فصل الجبهات" وصعود معادلة الردع الإقليمي
منذ توسع العدوان الأميركي - "الإسرائيلي" ضد إيران في شباط/فبراير الماضي، وما تلاه من تصعيد ضد لبنان، بدأت تتهاوى إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية الأميركية - "الإسرائيلية"، والمتمثلة في فصل ساحات المواجهة عن بعضها البعض.
كانت واشنطن و"تل أبيب" تراهنان على إمكانية عزل كل جبهة عن الأخرى، بما يسمح بإدارة الصراعات بصورة منفصلة والتحكم بإيقاعها. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا الرهان كان قائمًا على قراءة خاطئة لطبيعة التحالفات الجديدة التي تشكلت في المنطقة.
فبالنسبة إلى طهران، لم يعد ممكنًا التعامل مع أي ساحة باعتبارها ملفًا منفصلًا. إذ إن أي اختراق في لبنان أو فلسطين أو العراق أو اليمن يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للمنظومة الإقليمية بأكملها. ومن هنا جاء الإصرار الإيراني على ربط مسارات المواجهة كافة ضمن إطار استراتيجي واحد.
وقد تجسد ذلك بوضوح خلال الساعات الأخيرة عندما حاول نتنياهو استعادة صورة الردع عبر إطلاق تهديدات باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، متزامنة مع تصريحات وزير الأمن "الإسرائيلي" يسرائيل كاتس التي تحدثت عن فرض معادلات جديدة على لبنان.
لكن هذه التهديدات اصطدمت سريعًا برد إيراني حاسم نقل النقاش من مستوى التصريحات إلى مستوى المعادلات العملية. ففي الجانب السياسي، قررت طهران وقف المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، معتبرة أن استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان يُسقط الأساس الذي تقوم عليه أي عملية تفاوضية.
وأكد وزير الخارجية عباس عراقتشي أن وقف إطلاق النار لا يمكن تجزئته بين جبهة وأخرى، وأن أي خرق في لبنان يشكل خرقًا للمنظومة التفاوضية بأكملها.
أما على المستوى العسكري، فقد انتقلت إيران إلى تثبيت خطوط الردع بصورة مباشرة، إذ وجّه قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي تحذيرًا واضحًا للمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة، مؤكدًا أن أي استهداف للضاحية الجنوبية سيؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل مناطق الجليل والجولان وحيفا.
وترافق ذلك مع رسائل أكثر وضوحًا صدرت عن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، مفادها أن تجاوز الخطوط الحمراء قد يفتح الباب أمام خيارات إقليمية أوسع، بما في ذلك المسارات المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة.
وبذلك تحولت التهديدات "الإسرائيلية" من أدوات ضغط إلى عناصر إضافية في أزمة الردع التي تواجهها حكومة الاحتلال، بعدما بات واضحًا أن أي تصعيد ضد لبنان لن يبقى محصورًا ضمن حدوده الجغرافية الضيقة.
وفي موازاة هذا التحول في ميزان الردع، بدأت تظهر مؤشرات تباين داخل المعسكر الداعم لـ"إسرائيل"، حيث تداولت وسائل إعلام وتقارير سياسية معلومات عن استياء أميركي متزايد من سلوك حكومة نتنياهو، بلغ حد توجيه انتقادات حادة له من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب واصفًا إياه بـ"المجنون"، ومحذرًا من أن سياسة تدمير الضاحية تُمعن في عزل "إسرائيل" دوليًا وتنسف كل مسارات الإنقاذ السياسي التي توفرها واشنطن لحكومته. ويعكس ذلك إدراكًا متناميًا داخل دوائر القرار في واشنطن بأن سياسة التدمير والتصعيد المفتوح ضد لبنان لم تعد تنتج مكاسب استراتيجية، بل تسهم في تعميق عزلة "إسرائيل" الدولية وتضعف قدرة الولايات المتحدة على تسويق أي مسار سياسي أو دبلوماسي يمنح حكومة الاحتلال هامشًا للخروج من أزماتها المتراكمة.
وبهذا المعنى، لم يعد نتنياهو يتحرك من موقع الطرف القادر على فرض شروطه بقدر ما أصبح محكومًا بمعادلات ردع جديدة فرضتها تطورات الميدان. فخيارات التصعيد التي كان يُنظر إليها سابقًا كأدوات ضغط تحولت إلى مصادر تهديد مباشرة للجبهة الداخلية "الإسرائيلية"، بعدما بات واضحًا أن أي استهداف واسع للبنان قد يستدعي ردودًا تتجاوز الحدود التقليدية للمواجهة. وهكذا وجد نتنياهو نفسه أمام معضلة استراتيجية متفاقمة: فالتراجع يحمل كلفة سياسية داخلية، فيما يفتح التصعيد الباب أمام استنزاف أوسع لا يملك القدرة على التحكم بنتائجه أو توقيت انتهائه.
الدبلوماسية الأميركية وحدود القدرة على إعادة هندسة لبنان
بالتوازي مع التصعيد العسكري، حاولت واشنطن بناء مسار تفاوضي منفصل يهدف إلى إخراج لبنان من سياقه الإقليمي وربطه بترتيبات جديدة تتيح تجاوز النفوذ الإيراني.
وقد تجلت هذه المحاولات عبر سلسلة من الاجتماعات والاتصالات السياسية والأمنية التي سعت إلى تحويل الملف اللبناني إلى قضية منفصلة يمكن إدارتها بعيدًا عن التوازنات الإقليمية الأوسع.
إلا أن هذه المقاربة اصطدمت منذ البداية بعقبات جوهرية. فالقوى الأساسية في محور المقاومة نظرت إلى هذه المسارات باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج معادلات الهيمنة نفسها بوسائل مختلفة، وهو ما أدى إلى رفضها سياسيًا وشعبيًا.
كما أن اللقاءات الأمنية والعسكرية التي رعتها واشنطن لم تتمكن من تحقيق أي اختراق فعلي. فالوفد اللبناني لم يحصل على ضمانات بوقف الاعتداءات "الإسرائيلية"، فيما تمسكت "إسرائيل" بشروطها التقليدية المتعلقة بنزع عناصر القوة لدى المقاومة وفرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب.
وبذلك عادت هذه المسارات إلى نقطة البداية، بعدما ظهر بوضوح أن المشكلة لا تكمن في غياب قنوات الاتصال، بل في الفجوة العميقة بين متطلبات الاستقرار الإقليمي وبين الرؤية "الإسرائيلية" القائمة على فرض الاستسلام السياسي بالقوة العسكرية.
وفي هذا السياق، جاء الموقف الإيراني ليمنح هذه المعادلة بُعدًا أكثر وضوحًا. فقد أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال اتصالاته مع المسؤولين اللبنانيين، أن أي تسوية إقليمية لا يمكن أن تتجاهل وقف العدوان على لبنان، وأن أمن لبنان أصبح جزءًا من أي اتفاق محتمل يتعلق بمستقبل المنطقة.
لقد أظهرت هذه التطورات أن محاولات تحييد لبنان عن محيطه الإقليمي لم تكن سوى محاولة لتجاوز الوقائع التي فرضتها موازين القوى الجديدة، وهي محاولة انتهت إلى الفشل لأنها اصطدمت بحقيقة أساسية: أن أمن لبنان لم يعد يُناقش بمعزل عن التوازنات الإقليمية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة.
نتنياهو بين مأزق البقاء السياسي وأزمة الردع المتآكلة
لا يقتصر مأزق حكومة الاحتلال على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى أزمة سياسية داخلية تتفاقم مع مرور الوقت.
فالخطاب التصعيدي الذي يعتمده نتنياهو لم يعد قادرًا على إخفاء حجم المأزق الذي تواجهه حكومته. فكلما توسعت الحرب، ازدادت الضغوط الداخلية، وارتفعت كلفة المواجهة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
وقد انعكس ذلك بوضوح في النقاشات المتصاعدة داخل المجتمع "الإسرائيلي"، وفي الانتقادات التي صدرت عن شخصيات سياسية وعسكرية بارزة رأت أن الأهداف المعلنة للحرب باتت بعيدة عن الواقع العملي.
فالادعاءات المتعلقة بالقضاء على حزب الله أو فرض معادلات جديدة في لبنان تصطدم يوميًا بوقائع ميدانية مختلفة، حيث تستمر عمليات المقاومة في استنزاف القوات "الإسرائيلية" وإرباك خططها العسكرية.
وفي الوقت نفسه، يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة معقدة: فهو غير قادر على إنهاء الحرب من دون أثمان سياسية كبيرة، وغير قادر على توسيعها من دون المخاطرة بتفجير مواجهة إقليمية أوسع. ومن هنا، فإن استمرار التصعيد لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يعكس أزمة قيادة تبحث عن مخارج سياسية عبر الأدوات العسكرية، في وقت تتراجع فيه فعالية هذه الأدوات بصورة متزايدة.
من إعادة تشكيل قواعد الاشتباك إلى إعادة رسم الإقليم
ما يجري اليوم يتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين أطراف الصراع. فالقضية الأساسية لم تعد مرتبطة بجولة عسكرية أو تفاوضية محددة، بل بالتحول العميق الذي تشهده بنية النظام الإقليمي نفسه.
لقد ساهمت "وحدة الساحات" في إعادة تعريف العلاقة بين الجبهات المختلفة، بحيث أصبح أي اعتداء على طرف من أطراف هذا المحور يُنظر إليه باعتباره تهديدًا للمنظومة بأكملها. وهذا التحول غيّر قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لعقود.
وفي ضوء ذلك، لم يعد أمن المقاومة في لبنان ملفًا قابلًا للمساومة أو التفاوض المنفصل، بل أصبح جزءًا من عقيدة ردع إقليمية أوسع ترى أن أمن بيروت وطهران وصنعاء وبغداد وغزة مترابط ضمن شبكة واحدة من المصالح والتحديات.
أمام هذا الواقع، تبدو "إسرائيل" أقل قدرة من أي وقت مضى على الاعتماد على التفوق العسكري وحده أو على المظلة الأميركية التقليدية. فالتغيرات التي فرضتها الحرب الأخيرة تشير إلى أن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل أيضًا بقدرة الأطراف على بناء منظومات ردع متشابكة وعابرة للحدود.
ومن هنا، فإن المعضلة الحقيقية التي تواجه نتنياهو لا تكمن في إدارة معركة محددة، بل في مواجهة واقع استراتيجي جديد لم يعد يسمح لـ"إسرائيل" بالتحرك منفردة أو فرض شروطها كما في السابق. وفي هذا السياق، تتحول كل مغامرة توسعية جديدة إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة، فيما تزداد قدرة قوى المقاومة على فرض معادلاتها الميدانية والسياسية.
لقد أصبحت البوصلة الإقليمية أقل ارتباطًا بقرارات واشنطن وأكثر ارتباطًا بالوقائع التي تنتجها ساحات المواجهة نفسها، وهو تحول قد يشكل أحد أبرز ملامح "الشرق الأوسط الجديد" الذي يتشكل تحت ضغط الحرب وإعادة توزيع القوة في المنطقة.