مقالات
لم يعد المشهد الإقليمي مجرد ساحة لاشتباك عسكري، بل تحول إلى ساحة لاختبار الهزيمة الاستراتيجية "الإسرائيلية" بعد أن فرضت طهران إيقاعها في مسار التفاوض المباشر مع واشنطن، منتزعة بذلك اعترافًا دوليًا بموقعها المحوري في معادلة الإقليم، وهو ما يمثل انتصارًا سياسيًا إيرانيًا واضحًا على حساب الطموحات "الإسرائيلية". وفيما تقف تل أبيب اليوم في موقف المتفرج المعزول عن جوهر القرارات الكبرى، غارقة في مأزقها الداخلي وخيبات خياراتها العسكرية، يبرز السؤال الوجودي حول جدوى استمرار التصعيد، خصوصًا بعد أن أصبح شرط وقف إطلاق النار والانسحاب "الإسرائيلي" الكامل من الأراضي اللبنانية حاضرًا بقوة في كواليس التسوية. ومع أن الإعلان عن هذا المسار قد فتح باب التساؤلات، إلا أن العبرة الحقيقية تكمن في التنفيذ الفعلي للانسحاب من لبنان، ورهينة لما سيتمخض عن فترة الستين يومًا أو أكثر من المفاوضات المزمع عقدها، والتي ستشكل الاختبار الحقيقي لمدى صمود التفاهمات، وقدرة الأطراف على ترجمة هذه الوعود إلى واقع ميداني ينهي العدوان ويطوي صفحة الاحتلال.
إن ما يجري في "إسرائيل" اليوم يمكن وصفه بحالة من الانهيار التدريجي للوهم الذي روجت له القيادة السياسية حول إمكانية الحسم العسكري المفتوح، حيث تشير التقارير الصادرة عن صحف مثل "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" إلى أن العام الحالي يمثل ذروة انكشاف الاستراتيجية "الإسرائيلية". ففي مقالاتهم النقدية يجادل كتّاب مثل بن كسبيت في "معاريف" وعوفر شيلح في "هآرتس" بأن نتنياهو يمارس سياسة الهروب إلى الأمام، حيث يعتبر بن كسبيت أن قرارات نتنياهو لا تخدم الأمن القومي بقدر ما تخدم أجندته الخاصة بالبقاء في السلطة، محذرًا من أن المقامرة بالمواجهة المباشرة مع إيران دون غطاء أميركي حقيقي ستكون كارثية. ومن جهته يرى عوفر شيلح أن المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" عالقة في نمط من العمليات التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من العزلة الدولية، مؤكدًا أن الانفصال عن الواقع السياسي في إدارة الملف الإيراني قد يحول "إسرائيل" إلى دولة محاصرة بقراراتها المتخبطة.
إن تأثير عمليات المقاومة اللبنانية تجاوز حدود العمل العسكري المباشر ليصل إلى عمق التكوين الاجتماعي والاقتصادي "الإسرائيلي"، حيث تعيش المستوطنات الشمالية حالة من الشلل الكامل، وهو ما تنقله الصحافة العبرية تحت عنوان "وهم الهدوء"، حيث يقر المحللون بأن الهدوء الذي قد يتخلل فترات التصعيد هو هدوء هش وقابل للانهيار في أي لحظة. إن استمرارية عمليات المقاومة تفرض واقعًا جديدًا، حيث لم تعد القبة الحديدية أو المنظومات الدفاعية قادرة على توفير شعور الأمان الذي كان يعتمد عليه المجتمع "الإسرائيلي". هذا الفشل في توفير الأمن الشخصي أدى إلى تصاعد الأصوات المطالبة بوقف فوري للعمليات والتوجه نحو مسارات دبلوماسية، وهو ما يرفضه اليمين المتطرف داخل الحكومة الذي يصر على الاستمرار في سياسة الأرض المحروقة، ما يعمق الانقسام بين المستويين العسكري والسياسي ويجعل من اتخاذ قرار استراتيجي موحد أمرًا مستحيلًا.
في هذا السياق تأتي الضغوط الأميركية لتعقد المشهد أكثر، حيث تعكس تسريبات الصحف الأميركية مثل "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" حالة من عدم الرضا تجاه الأداء "الإسرائيلي". فالإدارة الأميركية التي تسعى لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ترى في تصرفات نتنياهو تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية، وقد ظهر ذلك جليًا في تصريحات ترامب الأخيرة حول فشل الجهود الدبلوماسية بسبب الهجمات "الإسرائيلية". هذا التباين في المصالح يضع "إسرائيل" في موقف العزلة، حيث أصبحت الإدارة الأميركية تنظر إلى نتنياهو كعبء سياسي يمنع إنجاز أي تسوية إقليمية، ما يعزز فرضية أن "إسرائيل" تتجه نحو مواجهة منفردة.
إن الخيارات المتاحة أمام القيادة "الإسرائيلية" تضيق يومًا بعد يوم، فالمراقبون يؤكدون أن نتنياهو لم يعد يملك ترف الوقت أو الخيارات العسكرية غير المحدودة، وأن المرحلة الراهنة تشكل الاختبار الحقيقي لمدى صمود الجبهة الداخلية التي بدأت تظهر بوادر التفكك والاحتراق. وهنا يطرح السؤال الكبير: هل يلجأ نتنياهو إلى المغامرة من جديد ويقوم بخطوة "مجنونة" لتدمير هذا الاتفاق في لحظاته الأخيرة، أم أنه سيجد نفسه مضطرًا للانصياع الكامل لإرادة دونالد ترامب؟
إن هذا الوضع يتطلب من النخب السياسية "الإسرائيلية" مراجعة شاملة لمسارها بدلًا من الاستمرار في تغذية وهم الردع، الذي يبدو اليوم أكثر وهنًا من أي وقت مضى في مواجهة إرادة المقاومة التي لا تقبل بالانكسار. وبناء على ذلك فإن المرحلة القادمة قد تشهد تحولات جذرية في هيكلية الصراع، حيث لم يعد ممكنًا الفصل بين الأمن الداخلي والأداء الاستراتيجي، إذ إن كل عملية عسكرية في لبنان تزيد من عمق الأزمة في تل أبيب وتجعل من خيار العودة إلى الهدوء بعيد المنال، ما لم تتغير القواعد والأسس التي بنيت عليها السياسة "الإسرائيلية" منذ عقود.