خاص العهد
كاتب من العراق
وصف باحثون وإعلاميون عراقيون قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد حالة الطوارئ الخاصة بالعراق بأنه تكريس لواقع أسسه الاحتلال الأميركي منذ عام 2003، واستمرار لفرض منطق الهيمنة والبقاء، بدلًا من الاستجابة لإرادة الشعب العراقي وإنهاء هذا المسار.
عبء ثقيل على العراق
وقال الكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور صلاح الأركوازي، في تصريحات خاصة لموقع "العهد"، إن هذا الملف "بات يشكل عبئًا وثقلًا وسيفًا مسلطًا على رقبة العراق والعراقيين"، نتيجة استخدامه المستمر كورقة ضغط سياسية واستخباراتية واقتصادية.
وأوضح أن تمديد حالة الطوارئ الوطنية من قبل الرئيس الأميركي، استنادًا إلى الأمر التنفيذي رقم 13303 الصادر عام 2003، يعني استمرار منح الرئاسة الأميركية صلاحيات استثنائية لحماية الأصول العراقية والعقود النفطية، والتحكم بالقيود القانونية والاقتصادية المرتبطة بالوضع الأمني في العراق، معتبرًا أن "هذا هو العذر المعلن، لكن ما خفي كان أعظم".
وأضاف الأركوازي أن هذا التمديد السنوي، الذي وقّعه الرؤساء الأميركيون المتعاقبون، بمن فيهم دونالد ترامب في ولايته الأولى وجو بايدن، يحمل أبعادًا عدة، أبرزها تمكين الرئيس الأميركي من فرض عقوبات اقتصادية أو تجميد أرصدة شخصيات وكيانات عراقية يُعتقد أنها "تهدد السلام والاستقرار" أو تعيق إعادة الإعمار، من دون الحاجة إلى العودة للكونغرس، مشيرًا إلى أن هذا الأمر "يحدث اليوم تحديدًا".
ورأى أيضًا أن الإجراء يوفر غطاءً قانونيًا لاستمرار بعض جوانب السياسة الخارجية والعسكرية الأميركية الهادفة إلى حماية مصالح واشنطن في المنطقة، "كما هو حاصل اليوم من أحداث خطيرة وتهديدات كبيرة من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني".
ورقة ضغط أميركية
بدوره، قال الكاتب والصحفي جواد أبو رغيف، في حديث لموقع "العهد"، إن تمديد حالة الطوارئ الوطنية الأميركية تجاه العراق "لا يرتبط بظروف سياسية بقدر ما هو إجراء قائم منذ عام 2003"، ويستند إلى مبررات عدة، من بينها حماية الأموال والأصول العراقية وعائدات النفط المودعة في البنك الفيدرالي الأميركي من أي ملاحقات قضائية أو مطالبات تعويضية تعود إلى فترة النظام السابق.
واستدرك أبو رغيف بالقول إن ما يثير مخاوف العراقيين هو أن يكون توقيت التمديد الحالي مرتبطًا بإرادة أميركية لفرض عقوبات على جهات أو أفراد يعارضون السياسة الأميركية في العراق أو في المنطقة، بذريعة تهديد استقرار البلاد، معتبرًا أن القرار يمثل "ورقة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها الإدارة الأميركية في مراحل المد والجزر مع الحكومات العراقية".
مشكلة كبرى
من جهته، اعتبر الإعلامي عباس المرياني أن إعلان ترامب تمديد حالة الطوارئ لعام إضافي، بما يسمح باستمرار إيداع عائدات النفط العراقي في حساب لدى البنك الفيدرالي في نيويورك، "يمثل امتدادًا لسلطة الاحتلال، ولا يختلف عنها بشيء".
وأضاف أن مبررات الوصاية الأميركية "لا تستند إلى أي دليل منطقي، لاسيما أن العراق لا يمثل تهديدًا لدول المنطقة، فكيف يمكن اعتباره تهديدًا للأمن القومي الأميركي؟".
وتابع المرياني أن العراق "كاد أن يُمحى من الخارطة في ظل المظلة الأميركية، ولولا فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى، لما بقي حديث عن النفط أو البنك الفيدرالي أو الوصاية".
وأكد أن استمرار حالة الطوارئ "يمثل مشكلة كبرى أمام المشرع العراقي"، لأن القيود الأميركية تجعل الوصول إلى أموال العراق مرتبطًا بقرارات الطرف الأميركي، مستشهدًا بما حدث سابقًا حين منعت واشنطن وصول الأموال العراقية بذريعة ارتباطها بالفصائل.
وأضاف أن الآثار السلبية لهذا الواقع بدأت تنعكس على معيشة المواطنين، في ظل شح السيولة وارتفاع سعر صرف الدولار وما يرافقه من زيادة في تكاليف المعيشة.
نحو السيادة المالية الكاملة
من جانبه، رأى الإعلامي والباحث السياسي علي العطواني أن قرار تمديد حالة الطوارئ "ليس إجراءً جديدًا، بل يمثل استمرارًا لنهج قائم منذ عام 2003"، لكنه يعيد طرح تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة المالية والاقتصادية بين بغداد وواشنطن، ومدى قدرة العراق على تعزيز استقلاله المالي.
وأوضح العطواني أن القرار يسلط الضوء على أهمية مواصلة الدولة العراقية بناء مؤسساتها المالية وتعزيز ثقة المجتمع الدولي باقتصادها، بما يسمح مستقبلًا بتقليص الحاجة إلى الإجراءات الاستثنائية التي رافقت مرحلة ما بعد عام 2003.
وأشار إلى أن تمديد حالة الطوارئ "لا يعني انتقال ملكية عائدات النفط العراقي، وإنما استمرار الإطار الذي يحكم آلية إيداع هذه الأموال وفق الترتيبات القائمة".
وختم بالتأكيد أن "التحدي الحقيقي أمام العراق يتمثل في الانتقال من مرحلة الاعتماد على التدابير الاستثنائية إلى مرحلة السيادة المالية الكاملة، عبر إصلاحات اقتصادية ومصرفية تعزز الثقة الدولية، وتحفظ في الوقت نفسه حق العراقيين في إدارة ثرواتهم الوطنية باستقلالية ومسؤولية".