خاص العهد
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
في كل مرة تنتهك فيها وسائل الإعلام أدبيات المهنة وأخلاقياتها، وتقدّم أداء مهينًا، تتجدّد الأسئلة: ما العقاب الذي تلقته هذه الوسيلة أو تلك، لتحسب حسابًا للخطأ في المرات القادمة؟ هل ثمة مساءلة قانونية أو مهنية تدفعها إلى التحقق من معلوماتها قبل بثها؟ أم أنّ شعار "حرية الإعلام" بات شماعة لتمرّر الوسائل الإعلامية ما تشاء من تلفيقات وسيناريوهات بوليسية للنيل من أفراد وجماعات محددة، مستغلة غياب الرقيب والحسيب؟
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة قبل أيام، حين عمدت وسائل إعلامية تدّعي المهنية (اضغط هنا للاطلاع على المقال السابق) إلى تحميل حزب الله مسؤولية نيترات الأمونيوم التي عثر عليها في بلدة حولا، والغمز من قناة ارتباطها بنيترات مرفأ بيروت، خدمة للسردية التي تُحمّل حزب الله، زورًا وبهتانًا، مسؤولية انفجار المرفأ.. فأين القانون من محاسبة هذه النماذج التي لا تمت للمهنية بصلة؟ ولماذا لم توجّه أصابع الاتهام مباشرة إلى "الإسرائيلي"، والذي سرعان ما اعترف، وتحميله مسؤولية انفجار المرفأ طالما أنّ النيترات واحدة؟
الحاج حسن: قسم كبير من الإعلام مرتهن لمشاريع أجنبية
رئيس تكتل بعلبك - الهرمل النائب حسين الحاج حسن، وهو الذي سبق أن ترأس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية لمدة طويلة، يعلّق على تلفيق الروايات في الإعلام اللبناني بالقول :"مع الأسف الشديد؛ الإعلام ليس حرًا في لبنان". وفقًا لقناعاته، ثمّة قسم كبير من الإعلام مرتهن لمشاريع أجنبية. يزداد هذا الارتهان عندما يتعلق الأمر بقيام وسائل الإعلام بدور التهجم على المقاومة. هنا، يشير الحاج حسن إلى أن أكبر دليل على ذلك، ما قامت به صحيفة تدّعي أن لها تاريخًا عريقًا (صحيفة النهار)، بربط موضوع النيترات "الإسرائيلي" الذي اكتشف في حولا فورًا بانفجار المرفأ وتحميل حزب الله المسؤولية. في اليوم الثاني، عندما اعترف "الإسرائيلي" صراحة أنّ النيترات تعود إليه، لم تعلّق.
في هذا السياق، يُشدّد الحاج حسن على أنّ هذا الأمر ليس له علاقة بالمهنية ولا الموضوعية ولا المسؤولية. واضح أنه تطبيق لأجندة ترتهن لها هذه الصحيفة وغيرها .
محفوظ: كان ينبغي الاعتذار من حزب الله وتصحيح الخطأ
رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ يؤكّد أن التغطية الإعلامية لملف نيترات الأمونيوم، والتي عُثر عليها في الجنوب، شهدت "مخالفات صارخة" لأحكام قانون الإعلام المرئي والمسموع الرقم 382/94، مشيرًا إلى أن القانون، وإن كان يكفل الحرية الإعلامية، هو يربط ممارستها بالمسؤولية والضوابط القانونية وبالقواعد الأخلاقية والمهنية القائمة على الموضوعية والشفافية وصحة المعلومات ودقتها والاستناد إلى مصادر موثوقة.
في حديث لموقع "العهد" الإخباري؛ يلفت محفوظ إلى أن المجلس الوطني للإعلام رصد، خلال المرحلة الأخيرة، تصاعدًا في خطاب الكراهية وترويجًا للإشاعات وتعميقًا للانقسام. برأيه أن هذا النهج قد انسحب أيضًا على التعاطي الإعلامي مع قضية نيترات الأمونيوم، حين سارعت مؤسسات إعلامية إلى "استنتاج" يربط المسؤولية بحزب الله، في محاولة لـ"شيطنته" وربطه مجددًا بانفجار مرفأ بيروت، من دون الاستناد إلى حقائق أو معلومات دقيقة.
كما يشير محفوظ إلى أن تصحيح هذه الرواية لم يأتِ من المؤسسات الإعلامية نفسها، بل من الجانب "الإسرائيلي". إذ اعترف جيش الاحتلال بأنه هو من وضع مادة نيترات الأمونيوم بعد استخدام جزء منها في تفجير ما زعم أنه الأنفاق. لذلك يرى محفوظ أن هذا التطور يفرض على القضاء اللبناني التحرك بحق ناشري الأخبار الكاذبة؛ لأن المجلس الوطني للإعلام يعدّ مثل هذه الوقائع بمثابة إبلاغ يستوجب مباشرة التحقيق.
كذلك يشدد محفوظ على أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على متابعة المخالفات، تشمل أيضًا مواجهة خطاب الكراهية الذي تصاعد في الآونة الأخيرة، بالتطبيق الفعلي للقانون على المؤسسات جميعها من دون استثناء، محذرًا من أن غياب تطبيق القانون يسمح باستمرار الإفادة من الحماية السياسية والطائفية، ويؤدي إلى "تعمية العدو الحقيقي للبنان وتغييب الاتهام المباشر له".
كما يدعو المجلس الوطني للإعلام، بحسب محفوظ، وسائل الإعلام إلى التحقق من المعلومات قبل نشرها، وعدم إصدار أحكام قاطعة من دون أدلة، فبرأيه أن المؤسسات التي أخطأت في هذا الملف "كان ينبغي عليها، على الأقل، الاعتذار من حزب الله، وتصحيح الخطأ". ويؤكد أن المجلس الوطني للإعلام، على الرغم من رصده للمخالفات، لا يملك صلاحية تنفيذ القانون، موضحًا أن دوره استشاري، في حين تقع مسؤولية التنفيذ على عاتق الحكومة والقضاء، ما يبقي الكثير من توصيات المجلس من دون متابعة.
يختم محفوظ بالدعوة إلى تهدئة الخطاب الإعلامي والابتعاد عن الإثارة السياسية والطائفية، داعيًا اللجنة النيابية المختصة بالإعلام بدعوة وزير الإعلام ونقابتي المحررين والصحافة ورؤساء مجالس إدارات المؤسسات الإعلامية واللجنة المؤقتة للإشراف على المواقع الإلكترونية، والمجلس الوطني للإعلام إلى اجتماع يهدف إلى وضع آليات عملية لضبط الأداء الإعلامي، وصولًا إلى تفعيل تطبيق القانون، سائلًا: "ما نفع القانون إذا لم يُطبّق؟".