اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "قولنا والعمل" في برالياس تحيي ذكرى قادة المقاومة وشهدائها

خاص العهد

الحكومة تفاقم الأزمة.. لا إجراءات جدية لوقف الانهيار المعيشي
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

الحكومة تفاقم الأزمة.. لا إجراءات جدية لوقف الانهيار المعيشي

95

لم يعد الحديث عن الأزمة المعيشية في لبنان يقتصر على انهيار القدرة الشرائية أو ارتفاع معدلات الفقر، بعدما باتت تداعياتها تمسّ قدرة آلاف الأسر على تأمين الغذاء والحاجات الأساسية. ففي عام 2026، دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة، إذ أظهرت بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أنّ نحو 1.24 مليون شخص، أي 24% من السكان المشمولين بالتحليل، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

ولا تتوقف الصورة عند هذا الحد، إذ تتوزع مظاهر الأزمة بين المناطق اللبنانية وفق عوامل مختلفة؛ ففي الجنوب أضافت الحرب والنزوح وفقدان العمل والأرض والمحاصيل أعباءً جديدة إلى الفقر، بينما يواجه الشمال وعكار تآكلًا متواصلًا في القدرة الشرائية، وتكشف أوضاع الأسر الزراعية في بعلبك-الهرمل أنّ امتلاك الأرض أو مصدر إنتاج لا يشكل ضمانة للأمن الغذائي في ظل ارتفاع الكلفة وتراجع المداخيل. وفي المدن والضواحي، تصطدم الأسر بكلفة متزايدة للغذاء والسكن والكهرباء والمياه والنقل والدواء.

لكن، في مقابل هذا الواقع المتفاقم، يبرز السؤال عن دور الدولة والحكومة الحالية: ماذا تفعل أمام هذا الانهيار؟ وإلى أي حد تتحمل مسؤولية تخفيف أعباء المعيشة عن اللبنانيين؟ فالأرقام تتحدث عن أسر تضطر إلى تقليص احتياجاتها الأساسية واستنزاف ما تملك من موارد للاستمرار، إذ تؤكد أحدث بيانات اليونيسف أنّ أربع أسر من كل خمس في لبنان تواجه صعوبة في تأمين الحاجات الأساسية، فيما أفادت 22% من الأسر المشمولة بالتقييم بأن أطفالها ذهبوا إلى النوم جائعين خلال الأسبوعين السابقين للتقييم. وبحسب البيانات، فإن تأمين الحاجات الأساسية أصبح أصعب مُقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة أشهر. والأخطر هو ما تفعله الأسر لتعويض العجز: 55% من العائلات لا تستطيع توفير ثلاث وجبات يوميًا لأطفالها، و25% باعت موجودات منزلية، و20% باعت أصولًا تُستخدم في الإنتاج أو توليد الدخل.

ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومة الحالية لم تعد محصورة في إدارة تداعيات الأزمة، بل في كيفية التعامل معها، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة ترتقي إلى حجم الانهيار الذي يواجهه المواطن. 

وفي هذا السياق، يضع رئيس اتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان علي ياسين المسؤولية في إطار أوسع، معتبرًا أنّ الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات وسياسات اقتصادية امتدت لسنوات، لكنّه يشدد في الوقت نفسه على مسؤولية الحكومة الحالية في مواجهة ما يعيشه اللبنانيون اليوم.

ويوضح ياسين لـ "العهد" أنّه كان هناك دائمًا ما يُعرف بتصحيح الأجور وبدل غلاء المعيشة، مشيرًا إلى أنّ الناس اعتادت، منذ عام 1992 تقريبًا وحتى عام 2019، على التعامل مع سعر صرف الدولار عند حدود 1500 ليرة، وكانت أوضاعها المعيشية تُقاس على هذا الأساس.

ويرى أنّ الأزمة المالية التي أصابت لبنان لم تكن بمعزل عن الضغوط والقرارات التي اتُّخذت بشكل مقصود للضغط على البلاد ومحاصرتها، مؤكدًا أنّ تداعياتها طالت المجتمع اللبناني بشكل مباشر، لافتًا إلى أنّ سعر صرف الدولار انتقل من نحو 1500 ليرة إلى ما يقارب 90 ألف ليرة، أي بارتفاع لا يقل عن 60 ضعفًا خلال سنوات قليلة، ما انعكس بصورة مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

ياسين يشدد على أنّ المشكلة لا ترتبط بسعر الصرف وحده، إذ إنّ القيمة الشرائية للدولار نفسه تراجعت، بعدما ارتفعت أسعار السلع والخدمات. ويلفت إلى أنّ السلة الاستهلاكية كانت قد شهدت ارتفاعًا في قيمتها بالدولار حتى قبل الحروب الحالية، ولا سيما خلال عام 2023، ما يعني أنّ الغلاء كان قائمًا قبل احتساب الانعكاسات اللاحقة للحرب.

وفي تحميل المسؤوليات، ينتقد ياسين النظام الاقتصادي القائم في لبنان، معتبرًا أنّ الرؤية الاقتصادية المعتمدة منذ سنوات ساهمت في إيصال البلاد إلى هذا الوضع، نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد وترسيخ الاقتصاد الريعي. ويؤكد أنّ الحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية أساسية عن تراجع الاقتصاد المنتج، ولا سيما في قطاعات الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي.

ويبين أنّ لبنان انتقل من نموذج كان يفترض أن ينتج جزءًا من حاجاته إلى اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، لافتًا إلى أنّ هذه المسألة تمثل مسؤولية أساسية للدولة والحكومات على مستوى الاقتصاد الكلي، بما يشمل الناتج القومي والناتج المحلي والدخل الفردي، مضيفًا أنّ المسؤولية الأساسية للحكومات، ولا سيما بعد الأزمة التي بدأت عام 2019، لا تقتصر على معالجة النتائج، بل تشمل أيضًا مراجعة الخيارات والسياسات الاقتصادية التي أدت إلى هذا الواقع، مؤكدًا أنّ تقييم أي اقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن النتائج التي أفرزتها هذه السياسات على حياة الناس ومستوى معيشتهم.

وفي الانتقال إلى مسؤولية الحكومة الحالية، يضع ياسين الموازنة في صلب الاختبار، معتبرًا أنّ لبنان، في ظل الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، يحتاج إلى موازنة حرب تتعامل مباشرة مع تداعياتها، لا إلى مشروع موازنة لا يتضمن ما يكفي لمواجهة هذه التداعيات أو لمعالجة أوضاع المتضررين، قائلًا: "نحن أمام حرب مستمرة منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك نجد الحكومة تقدّم مشروع موازنة، ومشروع قانون، لا يتضمن أي شيء لمواجهة تداعيات هذه الحرب، ولا يتناول موضوع المتضررين بشكل مباشر". ويشير إلى أنّ المتضررين لا يقتصرون على فئة واحدة، بل يشملون أهل الضاحية وأهل الجنوب وكل من يعاني من جراء الاعتداءات، فضلًا عن المواطن اللبناني عمومًا، في ظل انعكاس هذه الأوضاع على الاقتصاد والوطن.

كذلك، يتابع: "يفترض أن تكون الحكومة دولة رعاية قبل أن تكون دولة جباية"، متسائلًا عن حجم ما قدمته الحكومة لتخفيف الأعباء عن المواطن، ولا سيما في الصحة والتعليم والسكن والنقل والاتصالات وسائر الحاجات الأساسية التي أصبحت كلفتها تفوق قدرة كثير من الأسر.

وينتقد معالجة العجز عبر إجراءات جزئية لا تعالج أصل المشكلة، مستشهدًا بقرار رفع بدل النقل للموظفين من سقف 450 ألف ليرة إلى 800 ألف، من خلال إعطاء خمس تنكات بنزين، أي 50 لترًا، على ألا يتجاوز المبلغ 800 ألف ليرة. ويسأل: "عندما كان بدل النقل 450 ألف ليرة، كان يعادل سبع تنكات بنزين. فما هذا الإنجاز الذي قمنا به؟ أخذتم منا وأعطيتمونا اثنتين".

كما ينتقد زيادة التعويضات العائلية للعمال والموظفين، معتبرًا أنّ هذه التعويضات لا يستفيد منها الجميع بالشكل نفسه، مشيرًا إلى أنّ الأموال التي تُدفع من الضمان الاجتماعي هي في الأساس أموال العمال. ويقول إنّ الضمان الاجتماعي هو صندوق يضم أموال العمال، ومهمته حماية هذه الأموال وإدارتها، مضيفًا: "نحن نأخذ منهم ونعطي العمال، أي أننا نأخذ من جيبهم ونعطيهم".

وانتقد كذلك ما يُطرح بشأن تقديم مليون ومئتي ألف ليرة للسائقين شهريًا، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات لا تشكل معالجة حقيقية لأوضاعهم، في ظل ما يتقاضاه بعض السائقين من مبالغ محدودة، قائلًا إنّ الحكومة بدل أن تؤمّن لهم دعمًا فعليًا، تكون في الحقيقة تعطيهم من أموالهم.

ويخلص ياسين إلى أنّ الحكومة الحالية لا تملك خطة واضحة لتخفيف الأعباء المعيشية عن الناس، معتبرًا أنّ ما تقوم به لا يتجاوز تقديم "وصفات" لمعالجة الأزمة، بدل وضع سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة.

ويؤكد أنّ أول واجب من واجبات الحكومة والسلطة هو حماية المواطن، معتبرًا أنّه إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية الوطن والسيادة، فعليها في الحد الأدنى أن تحمي لقمة عيش الناس، وتحافظ على النظام الاقتصادي، وتؤمّن المداخيل التي تتيح لهم العيش بكرامة.

ويحذّر من دفع المواطنين إلى الفقر والحاجة، متسائلًا عمّا إذا كان المطلوب جرّ الناس إلى مرحلة يصبحون فيها متسولين، بما يجعلهم عاجزين عن المطالبة بحقوقهم أو رفض السياسات المفروضة عليهم.

ياسين يشدد عبر العهد أنّه لا يرى ما يجري مجرد تقصير حكومي، بل اتهم الحكومة بأنّ "هذا الموضوع مبرمج لإفقار الناس وتجويعهم"، معتبرًا أنّ إيصال المواطن إلى الفقر والحاجة يجعله أقل قدرة على الرفض. كما اتهم الحكومة بتنفيذ أجندات خارجية تؤدي إلى إفقار الشعب اللبناني أو زيادة إفقاره، مؤكدًا أنّ المواطن عندما يصل إلى مرحلة العوز لا يعود قادرًا على رفض ما يُفرض عليه.

وعليه، يختم ياسين بالدعوة إلى توحيد الموقف بين كل الهيئات والمنظمات والقيادات والنقابيين والسياسيين وغير السياسيين ممن يحملون همّ الناس، حول ثلاث أولويات: حماية المواطن في لقمة عيشه وحاجاته الأساسية، والعمل على تحسين أوضاعه، وحماية الوطن والدفاع عنه، مؤكدًا أنّ "الذي لا يساهم في حماية الوطن والدفاع عنه، لن يستطيع القيام بحماية المواطن والدفاع عنه في لقمة عيشه".

الكلمات المفتاحية
مشاركة