خاص العهد

لا شكّ أنّ لتحقيق السيادة اللبنانية طُرقًا عدّة، على رأسها بناء جيش وطني قوي وقادر على حماية الوطن. منذ عقود، ونحن نسمع هذه التوصية تتردّد على مدى الحكومات المتعاقبة، دون لمْس أي إجراء جدّي يُحقّق الهدف. منذ عقود ونحن نسمع "معزوفة" تسليح الجيش ليتسلّم زمام الدفاع عن لبنان، لكن حتى تاريخه، لم تُنفَّذ كلمة واحدة في هذا الصدد. على الدوام، ثمّة انتظار لبناني لما ستُمليه الولايات المتحدة الأميركية في هذا الإطار. الأخيرة، ليس سرًا أنها، ومن يدور في فلكها، لا تريد جيشًا قويًا للبنان. القضية محسومة لديها، وهي تعمل على هذا الأساس، فتقطع الطريق على أي طرح جدّي لتسليح الجيش وتجهيزه للدفاع عن لبنان. وإذا سمحت فبدعم محدود جدًا لا يُشكّل خطرًا على ربيبتها "إسرائيل". وعليه، فواشنطن تريد اليوم سحب سلاح المقاومة -ورقة الدفاع القوية عن لبنان- بدون بديل. المطلوب من لبنان أن يكون بلا أي ورقة قوّة، فقط أن يكون متلقيًا للصدمات ومتروكًا لقدره، وسط جيش لا يملك أبسط مقوّمات الصمود والدفاع، لتعبث "إسرائيل" به كما يحلو لها، ما يطرح السؤال التالي: عن أي سيادة يتحدّثون وجيش لبنان بلا حول ولا قوّة؟!.
خطة تطوير الجيش ودعمه لم يُنفذ منها سطر واحد
وزير الدفاع الأسبق يعقوب الصراف، يتحدّث لموقع "العهد" الإخباري عن واقع الجيش اللبناني الصعب، وإمكانياته التي لا تصلح للدفاع عن وطن مُطلقًا، فيعود بالذاكرة ثماني سنوات إلى الوراء، عندما أقرّت حكومة الرئيس سعد الحريري خطة تطوير الجيش ودعمه استراتيجيًا وتسليحه. حينها، كان الصراف وزير دفاع، وهو شاهد على هذه الخطة التي أُقرّت عام 2017، لكن لسوء حظّنا، لم يُنفذ منها سطر واحد حتى اليوم. يستذكر موضوع الهبات التي وُعد بها لبنان، وكانت الوعود هباءً منثورًا. لم تأتِ هبة تسليح واحدة، سوى بعض الملالات والزوارق البحرية، وسرب طائرات "سوبر توكانو"، ولكن هذه الطائرات لا تصلح للحرب وللدفاع عن لبنان مقابل قدرات الجيش "الإسرائيلي". هي مساعدات، يصفها الصراف بأنها "مساعدات بيضحكوا فيها علينا"، ولسوء الحظ، نحن نرضى ونسير معهم.
يُحمّل الصراف المسؤولية للحكومة اللبنانية، التي يجب أن تأخذ على عاتقها تجهيز الجيش وإيلاء رواتب العسكريين الأولوية عبر مضاعفة موازنة الجيش اللبناني خمس مرات. وفي حال وردت إلينا هبات، تذهب إلى الحكومة، بمعنى ألّا تكون موازنة الجيش في الأساس ضعيفة ومتأرجحة على أمل الهبات لدفع الرواتب للعسكريين. أولويات لبنان اليوم يجب أن تكون جيشه. وفي هذا السياق، يقول الصراف: "لا يهمني، مع احترامي للجميع، من وزارة ثقافة أو سياحة وما شابه، بإمكان الحكومة تحجيم موازنة هكذا وزارات لتكبير موازنة الجيش".
بلغة الأرقام، يُقرّش الصراف ممتلكات الجيش اللبناني: أقل من 4% فقط من موازنة وزارة الدفاع يذهب إلى التجهيز العسكري من سلاح وعتاد وذخائر، وهي تجهيزات "أكل الدهر عليها وشرب". على سبيل المثال، يعود أحدث "مدفع" تم شراؤه إلى التسعينيات. ثمّة "مدافع" تعود إلى عام 1945. الصواريخ الموجودة لدى الجيش لا تتعدى الـ5000 صاروخ فقط، وهي كمية تُطلقها المقاومة في يوم واحد. أما الدبابات، فيعود تاريخ صناعتها إلى عام 1959. هذا ما يثبت أن لدينا تقصيرًا كبيرًا في مهمة تجهيز الجيش الوطني. وفق الصراف، فإنّ آخر صفقة تسليح رسمية للجيش تمّت في عهد رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود عندما كان قائدًا للجيش، أي في التسعينيات. خلال الأعوام الماضية، اشترت المؤسسة العسكرية ألف صاروخ فقط. أما الأسلحة الخفيفة، فحدّث ولا حرج؛ لدى الجيش الكثير منها، وتلقّى هبات من سلاح "M16"، كما أُجريت صفقات بسيطة تتعلق بخوذ، و"رنجرات"، وما إلى ذلك. بالنسبة للصراف، لا يملك الجيش سلاحًا قادرًا على مقاومة العدو يُخولنا الصمود في الحرب ليومين فقط، ريثما يتم الاتصال بالأمم المتحدة.
وقّع لبنان على 7 مؤتمرات لدعم الجيش منذ عام 2006 ولم يُنفّذ منها شيء
يُجري وزير الدفاع الأسبق مقارنة مع كيان العدو للدلالة على الفرق الشاسع بين ما يصله من أموال للتسليح، وبين ما يصلنا. العام الماضي خُصّص لـ"إسرائيل" عشرات مليارات الدولارات كسلاح، أما لبنان فوصل إليه 100 مليون دولار كرواتب. يقول المتحدث: "مشكلتنا الكبرى أننا، منذ عام 2006 عندما كنت وزير دفاع بالوكالة، إلى اليوم، وقّعنا على 7 مؤتمرات لدعم الجيش اللبناني، وفي المؤتمرات السبعة، وردت إلينا وعود بتجهيز الجيش، لكن حتى اليوم لم يأتِ شيء منها. مضى على هذه الوعود 19 سنة، لكن لسوء حظّنا لا يريدون تجهيز الجيش. فهدف الغرب ليس أن يتسلم الجيش اللبناني الدفاع عن لبنان. وسوريا أكبر مثال أمامنا؛ حيث سقط النظام وأتى نظام جديد، ومع ذلك دُمّر نحو 90% من قدراته، مع أنّ السلطة الموجودة اليوم ليس لديها مشكلة في المحادثات وتطوير العلاقة مع "إسرائيل". ورغم كل هذه التسهيلات السورية، ضربت "إسرائيل" كل مقوّمات أسلحة الجيش السوري بشكلٍ يمنع النظام الجديد من إنشاء جيش قوي لديه القدرة على الدفاع عن بلده، تمامًا كلبنان".