مقالات مختارة
زينب حمود - صحيفة "الأخبار"
لم يعد بإمكان المدارس التغاضي عن الآثار النفسية للحرب على الطلاب، أو التعامل مع مكافحتها بخفة أو على أنها ترف ورفاهية. فالندبات النفسية والأعراض التي ظهرت على الأولاد أثناء الحرب وبعدها مباشرة، صارت أكثر انفلاشًا ووضوحًا اليوم، وتنعكس على وضعهم الصحي والتربوي وعلى شخصيتهم أيضًا. صحيح أن الاضطرابات النفسية والسلوكيات غير السوية التي أصابت هؤلاء لا تزال "ضمن المعقول"، غير أنها تستدعي تدخلًا عاجلًا.
لذا، وبعد "يأسها" من مبادرة الوزارات المعنية إلى وضع يدها على المشكلة طوال العام المنصرم، لجأت المدارس إلى "الهيئة الصحية الإسلامية"، التي استجابت بدورها للاحتياجات النفسية للطلاب، فأطلقت دليل "الدعم النفسي للأطفال بعد الأزمات والحروب".
هذا الدليل يأتي في إطار جهود حزب الله للتعافي، "فالتعافي ليس عسكريًا فقط، بل يشمل الجانب المجتمعي، التربوي والتعليمي والصحي والنفسي"، يقول النائب إيهاب حمادة.
الدليل يقدّم إطارًا عمليًا شاملًا يساعد المعلمين والمرشدين في المدارس على تنظيم جلسات دعم نفسي اجتماعي ممنهجة وقابلة للتطبيق في مختلف البيئات التعليمية. ويستهدف فئات الروضات، الحلقات الأولى والثانية والثالثة والمرحلة الثانوية، مخصصًا لكل مرحلة منها منهجًا خاصًا.
ويحدد مؤشرات التأثر بعد الأزمات وطرق التدخل الداعمة، عبر أنشطة ذات خطوات مفصلة، مع تحديد مدتها ومستلزماتها والهدف منها. والبرنامج مقسم إلى خمسة محاور: المشاعر والتعبير عنها، الأمان، بناء العلاقات الإيجابية والتعاون بين الأطفال، آليات التكيف وحل المشكلات، غرس الأمل والطموح والمعنى وإعادة ربط الطفل بمستقبله.
كما يعطي إرشادات للمدرب ويطرح الحلول للتحديات والمعوقات المحتملة. ويختتم بمحور لتقييم الأثر، الأول خاص بالمدرب لقياس فعالية البرنامج بعد انتهائه، والثاني يقيس مدى انسجام كلّ طالب بالنشاط بعد كلّ حصة.
الدليل مُكيَّف للبيئة
وهذا الدليل هو نسخة مطورة من مجموعة أدلة وضعتها منظمات دولية مثل "يونسيف" و"منظمة الصحة العالمية" اطّلعت عليها الهيئة، و"كيفناها لتطبق في مدارسنا وبيئتنا، مع مراعاة مدة الأنشطة لتتناسب مع الدوام المدرسي، وتوفر الأدوات المستخدمة في المدارس باختلاف إمكانياتها، وتطابق النشاطات مع ثقافتنا واحتياجاتنا"، كما تقول مديرة دائرة التثقيف النفسي المركزي في الهيئة والمعالجة النفسية، زينب قاسم.
وتضيف أن "البرنامج سيُطبَّق في عدد من مدارس بيروت، الجنوب والبقاع، من قبل فريق الهيئة المدرب، في المرحلة الأولى، قبل تدريب الكوادر في المدارس ليطبّقوها بأنفسهم في المرحلة الثانية".
ولدى سؤالها عن الوقت الذي يستغرقه تطبيق البرنامج، تلفت قاسم إلى أن "بعض المدارس لا تولي اهتمامًا للجانب النفسي وتجده رفاهية، لذا لا يمكن إجبارها على تخصيص عدد معين من الحصص للدعم النفسي، في ما تنشغل هي بإنجاز المنهاج، لكننا نجد أن الفترة المثالية للتطبيق تمتد على مدار السنة بمعدل ثلاث حصص شهريًا".
وتعيد قاسم إطلاق الدليل إلى "الحاجة الميدانية الملحّة للدعم النفسي بعد ما نقلته المدارس من جهة، وما رصدناه على الأرض من جهة ثانية". ورغم أن بعض المدارس تلاحظ "سرعة في التخطي" وتراجعًا في الأعراض الفاقعة للحرب على الأطفال مع مرور الوقت، و"انحصارها بين من لمستهم الحرب مباشرة، ولا سيما من فقدوا شهيدًا"، على ما تقول الناظرة في مدرسة الصادق، رولا حمادي، تنبه قاسم إلى "المؤشرات الصامتة".
فهذه المؤشرات "قد لا يلحظها الأستاذ بسبب عدد التلامذة المرتفع في الصف الواحد، والتركيز على إنهاء المنهاج، وعدم فهم بعض الأعراض، مثل تفسير النمط الانسحابي بالقول: هالولد عقلان". وتستشهد قاسم بـ"النظريات النفسية التي تقول إن الأثر النفسي للأزمات لا يظهر قبل ستة أشهر من وقوعها، وأحيانًا قبل سنة".
مدارس المهدي: "الوضع تحت السيطرة"
مدارس المهدي، مثلًا، ترصد اليوم حالات تأثر نفسي - اجتماعي - تربوي بين الطلاب. وتذكر معاونة مديرة الإرشاد زينب بلوط منها "سلوكيات عدائية لدى الأصغر سنًا، وتعبير عن المشاعر السلبية بالضرب والبكاء المفرط، الصراخ والمشاجرة. وقلق انفصال الطلاب في الحلقة الأولى عن أهلهم، باعتبارهم مصدر الأمان، فيظهر ذلك عبر البكاء الشديد وعدم التكيف والانطوائية".
غير أنها تشير إلى أن "هذا عادةً نلحظه بين طلاب الروضات، لكنّه اليوم يرتبط بمن هم أكبر سنًا، وأوضاعهم النفسية غير مستقرة، إضافة إلى القلق العام المنتشر بين الطلاب في المراحل العمرية الأكبر وما ينتج عنه من انطوائية وصعوبة في التواصل أو عدم الرغبة بها، وتراجع الحافز للمشاركة في الأنشطة الصفية". وفي حالات معينة، تلفت بلوط إلى رصد "اضطرابات في الأكل والنوم، اضطراب ما بعد الصدمة، مع تراجع التحصيل الأكاديمي، خاصةً في مدارس الجنوب بسبب الأعطال المتكرّرة".
لكن بلوط تؤكد أن "جميع هذه الأعراض لا تزال تحت السيطرة والأعداد التي تحتاج إلى إحالة إلى معالجين نفسيين مقبولة ربطًا بخصوصية المدرسة والأثر الكبير والمباشر للحرب على طلابها خصوصًا، من أبناء الشهداء وجرحى الـ"بايجرز" وجرحى الحرب، والمهدّمة منازلهم، ومن قاسوا إلى جانب النزوح خوفًا على آبائهم وأخواتهم في الميدان".
تحديات التعافي جنوبًا
في الجنوب والبقاع، الوضع أكثر حساسية، فالحرب مستمرة والاستهدافات والغارات التي تقع في جوار المدارس ويسمعها الأولاد أينما كانوا، تعيق أي مساعي للتعافي. ونظرًا للتحديات التي تواجه إدارة المدارس في احتواء الطلاب نفسيًا، و"لأننا لا نعرف كم ستستمر هذه الحالة ولا يمكن الانتظار وتأجيل التدخل"، تقول بلوط إن الهدف من التدخل في الجنوب يصبح "ليس التخلص من القلق وأثر الحرب نهائيًا، بل العمل على عدم سيطرة حالة القلق على حياة الأولاد الاجتماعية والتعليمية، واحتواء المشكلة عبر إدارة المشاعر والتعامل معها".
وتشير قاسم، في هذا الصدد، إلى أن دليل الدعم النفسي الذي أطلقته الهيئة لا يمكن تطبيقه بالكامل في الجنوب، فـ"محور الأمان مثلًا يبقى عبثيًا في ما يسمع الطالب أصوات القصف، بينما يمكن الاستفادة من محور المشاعر لإخراج المشاعر السلبية". وتلفت إلى أن "برامج خاصة تطبق في المدارس في الخطوط الأمامية، مثل كيفية تعاطي الأساتذة عند وقوع الغارة والإخلاء بشكل من دون إثارة الهلع".
الاضطرابات النفسية المزمنة
نتيجة الأزمات المتراكمة التي أصابت البلاد، ولا سيما انتشار جائحة "كورونا" والحرب "الإسرائيلية"، وما نتج عنهما من خسارة الأشخاص والتغيير السريع والمفاجئ في نمط الحياة، ظهرت اضطرابات نفسية لدى الأطفال. يذكر رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى الشفاء التخصصي، الدكتور فضل شحيمي، منها: "اضطراب القلق الحاد، اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب لدى الأطفال.
ومن ملامحه: تراجع التخطيط وفقدان الشغف، انعدام اللذة مثل التوقف عن ممارسة الهوايات، التخلي عن المقتنيات الخاصة، تراجع التحصيل العلمي والأكاديمي، اضطرابات في النوم والتركيز واضطرابات سلوكية كالعنف وعدم الانضباط...".
ويشدد شحيمي على أهمية التدخل المبكر في حالات التأثر النفسي لأنه "يحدّ من الاضطراب النفسي المزمن"، مشيرًا إلى دور المدرسة في الكشف عنها، لأنه يراها "المشخّص الأول للطفل نظرًا للوقت الطويل الذي يمضيه فيها". ولا يحصر شحيمي التأثر بالأطفال، فـ"المربون أيضًا والأساتذة يتأثرون نفسيًا جراء تراكم الأزمات، وبحاجة إلى دعم نفسي، وهذا يساعد في الحفاظ على إنتاجيتهم".