اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رسالة مباشرة إلى رئيس الحكومة.. العسكريون المتعاقدون يلوّحون بالتصعيد

خاص العهد

خاص العهد

التربية على الأمل في مواجهة اليأس.. مقاربات تربوية ودينية لتعزيز الصمود المجتمعي

69

مع تصاعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وما تفرضه من تحديات على الواقع التربوي، برزت الحاجة إلى مقاربات فكرية تعيد الاعتبار لقيم الأمل في مواجهة اليأس المتنامي. من هنا، نظم مركز الأبحاث والدراسات التربوية ندوة بعنوان "التربية على الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي"، بمشاركة الدكتور طلال عتريسي والشيخ حسين زين الدين، حيث تناولت الندوة دور التربية في تعزيز الصمود الاجتماعي وبناء وعي قادر على مواجهة الأزمات واستشراف آفاق مستقبلية أكثر ثباتًا.

وتوقّف المتحدثون عند التمييز بين اليأس الفردي الذي يُعالج في علم النفس بوصفه حالة مرضية، واليأس الاجتماعي الذي يُعدّ ظاهرة اجتماعية خطيرة تناولها علماء الاجتماع، لما لها من آثار كارثية على مستقبل المجتمعات سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وإبداعيًا. وأُشير إلى أنّ مجتمعات عديدة عاشت هذه الحالة نتيجة الحروب والعدوان والانهيارات الاقتصادية، فيما يتميّز المجتمع اللبناني – رغم أزماته – بامتلاكه عناصر تمنع تحوّل الإحباط إلى يأس شامل.

 د. طلال عتريسي: التربية على الأمل مسؤولية 

وفي مداخلته، تناول المختص في علم الاجتماع الدكتور طلال عتريسي مفهوم «التربية على الأمل» من زاوية تربوية واجتماعية، مبينًا أنّ الأمل ليس مجرد شعور ديني أو نفسي، بل نتيجة عملية تربوية متكاملة. وأوضح أنّ التربية السائدة غالبًا ما تركّز على المهارات والإنجاز وتقدير الذات، فيما تغيب التربية على الأمل عن المناهج التعليمية والثقافة العامة.

ورأى أنّ الأمل يقوم على توقّع حصول أمر إيجابي مقرون بالعمل والمسؤولية، محذرًا من التربية القائمة على الرفاه الزائد وتلبية كل الرغبات، لما لذلك من أثر سلبي في بناء شخصيات هشة عاجزة عن تحمّل الصعوبات، ما يجعلها أكثر عرضة لليأس عند أول اختبار.

وأكد أنّ التربية على الأمل يجب أن تترافق مع تحمّل المسؤولية والصبر ومواجهة التحديات، معتبرًا أنّ الصعوبات عنصر أساس في بناء الإنسان القادر على الصمود، وأن غياب السلطة التربوية المنضبطة يسهم في تفكك البنية النفسية والاجتماعية للأفراد. 

وتطرّق عتريسي إلى مظاهر اليأس الاجتماعي في لبنان، لافتًا إلى فقدان الثقة بالإصلاح والخدمات وتطوير النظام السياسي، لكنه شدد في المقابل على وجود عناصر ثقافية واجتماعية – كالعلاقات الاجتماعية والتكافل والعادات – تخفف من حدّة هذا اليأس، مقارنة بالمجتمعات الغربية التي واجهت أزمات كبرى وأنتجت تيارات فكرية انسحابية وعدمية.

وانتقد كذلك التركيز المفرط على المهارات والتنافس الفردي بوصفهما غاية بحد ذاتهما، معتبرًا أنّ هذا النموذج يعزز الفردانية ويقود في نهاية المطاف إلى الفراغ وفقدان المعنى، حتى لدى من يحققون النجاح المادي.

الشيخ حسين زين الدين: الأمل في المفهوم الديني والتربوي

من جهته، قدّم الشيخ حسين زين الدين قراءة دينية وتربوية لمفهوم الأمل، موضحًا أنّ المفهوم الأقرب له في القرآن الكريم هو الاستبشار، وأن الأمل واليأس لا قيمة لهما بذاتهما، بل تتحدد قيمتهما بمتعلّقهما؛ فاليأس من الله مرفوض، بينما اليأس مما في أيدي الناس يُعدّ من كمال التوحيد.

وأشار إلى أنّ التربية، وفق الرؤية الإسلامية، تقوم على تنمية الإرادة والقدرة على اختيار الأصلح، ما يوفّر حصانة نفسية في مواجهة اليأس. وتناول أيضًا مفاهيم الخوف والحزن في القرآن الكريم، معتبرًا أنّ التربية القرآنية تعالج هذه الحالات عبر ترسيخ الطمأنينة والمعنى.

وأكد الشيخ زين الدين أنّ الأمل طاقة فكرية وروحية تدفع الإنسان إلى تجاوز التحديات، وأن ركائزه الأساسية تتمثل في الإيمان بالله، والإيمان بالآخرة.

وشدّد على أهمية تعظيم الهوية والانتماء بوصفهما عنصرين أساسيين في مواجهة الانكسار النفسي، معتبرًا أنّ معرفة الإنسان لوظيفته ودوره في الحياة تخفف من مشاعر الإحباط، حتى في أحلك الظروف. وأشار كذلك إلى دور القيادة الأخلاقية والقدوة الصادقة في ترسيخ الأمل الجماعي، لافتًا إلى أنّ المجتمعات التي تمتلك مشروعًا وقيمًا واضحة تكون أقدر على الصمود في وجه محاولات التيئيس المتعمد.

وخلصت الندوة إلى أنّ التربية على الأمل ليست خطابًا نظريًا أو عاطفيًا، بل مشروع متكامل يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة والمؤسسات والمجتمع، ويقوم على التوازن بين الحب والضبط، وبين الإيمان والعمل، بهدف بناء إنسان قادر على مواجهة الأزمات دون الوقوع في فخ اليأس الاجتماعي.

د. يوسف أبو خليل: الأمل أساس البناء المجتمعي

على هامش الندوة، صرّح مدير الندوة الدكتور يوسف أبو خليل لموقع العهد الإخباري قائلًا: إن "المبادرة انطلقت منذ نحو 4 أو 5 سنوات لمواجهة التحديات التربوية والثقافية التي تعاني منها المجتمعات المحلية"، موضحًا أنّ هذه التحديات تتأثر بما قبل الحرب وما بعدها، ولا خلاف حول أثر الحرب في تعقيد المشكلات التربوية.

وأضاف أبو خليل، أن موضوعات ما بعد الحرب أصبحت أصعب، وتتطلب إجابة على أسئلة حقيقية موجودة في الساحة التربوية، خاصة في مجتمعنا، مشيرًا إلى أن هناك من يربط بين المجتمعات المأزومة واليأس، لكنه أوضح أن وجود أزمات وتحديات لا يعني بالضرورة أن يكون المجتمع يائسًا، فالمستقبل لا يُبنى إلا على مواجهة التحديات، وهو ما اتفق عليه أغلب العلماء، فالرفاهية المطلقة لا تنتج حضارة، بل العمل والمواجهة هما اللذان يمنحان القدرة على الصمود والتقدم.

وأشار أبو خليل إلى أن اليأس ليس حالة ثابتة، بل قد ينشأ عند من يبقون في حالة سلبية دون مواجهة المشكلات، في حين أن المجتمعات التي تأمل وتستشرف المستقبل، وتواجه تحدياتها بنظرة واعية، قادرة على تجاوز الصعوبات.

وحول مستقبل هذه الندوات، أكد أبو خليل أنها جزء من عمل مستمر يركز على البحث التأصيلي والنظري، وعلى إنتاج كتب ودراسات أصيلة تضيء بشكل منهجي على المشكلات التربوية والاجتماعية، موضحًا أن الهدف هو تقديم إضاءات صحيحة تساعد على فهم الواقع التربوي وتقوية المجتمع في مواجهة تحدياته.

وختم بالقول: إن "المجتمع قوي، لكنه يحتاج إلى دعم مستمر وبحث معمق"، داعيًا إلى تضافر جهود المراكز البحثية والعاملين في مجال التربية لتقوية المجتمع وتحصينه، مؤكدًا أن المستقبل واعد بالنسبة للمجتمع الذي ينهض من أزماته بعزيمة وأمل.

الكلمات المفتاحية
مشاركة