مقالات
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
لا ريب أن سقوط الدولة السورية في الثامن من كانون الأول 2024، لم يعدُ مجرد خسارة محور المقاومة والممانعة في المنطقة لدولةٍ أساسيةٍ في هذا المحور، لأن سورية تكاد تكون "عموده الفقري". ولم تقف حدود الخسارة عند خروجها من "المحور"، بل تخطتها إلى انتقال "سلطة" الأمر في "الشام قلب العروبة النابض" إلى الاصطفاف في المحور الأميركي، شريك العدو الصهيوني في عدوانه على لبنان، والجمهورية الإسلامية في إيران، ومختلف أفرقاء محور المقاومة في المنطقة، كالعراق واليمن.
فسورية اليوم، ليست كسورية الأمس في زمن حكم "الأسدين" الأب والابن، عندما كانت تشكّل عمقًا استراتيجيًا لحركات التحرر والمقاومة ضد الاحتلال، بخاصةٍ في لبنان والعراق. والمستجد أنه بعد وصول "جبهة النصرة في تنظيم القاعدة" بقيادة أبي محمد الجولاني إلى "الحكم" في دمشق، تحوّلت إلى مصدر تهديدٍ للمقاومة وبيئتها في لبنان. ولم يقتصر هذا التهديد على المعلومات التي تتناقلها بعض وسائل الإعلام عن انتشار المسلحين التكفيريين على الحدود الشرقية بين لبنان وسورية من جهة الهرمل، "إيذانًا بالدخول إلى لبنان" لملاقاة العدو الصهيوني القادم من الجنوب ومشاركته في حربه على المقاومة في لبنان، أي محاولة "وضعها بين فكي كماشة"، بحسب ما يروّج بعض الإعلام.
غير أن التهديد الحقيقي والمباشر، يأتي من العدو الصهيوني مباشرةً، الذي يلوّح "بالتقدّم" نحو الأراضي اللبنانية، معتمدًا بذلك على سيطرته على جبل الشيخ الاستراتيجي في سلسلة الجبال الشرقية والواقع على المثلث الحدودي بين لبنان وسورية وفلسطين والمشرف على العرقوب وسهل البقاع في لبنان، وذلك بعد سقوط الدولة السورية في أوائل كانون الأول 2024. هذا وأعلن جيش الاحتلال في الأيام الفائتة "تنفيذ عمليةٍ عابرةٍ للحدود انطلاقًا من الشق السوري لجبل الشيخ وصولًا إلى مزارع شبعا اللبنانية لتوسيع نطاق العمليات نحو تضاريس أكثر تعقيدًا، ولكن بأفضلية جغرافية تتيح له الإشراف على مساحاتٍ واسعةٍ، وفتح مسارات التفافٍ تتجاوز خطوط التماس التقليدية"، بحسب زعمه. وهنا، يؤكد مرجع سياسي ودبلوماسي دمشقي "المعلومات عن تعزيز الانتشار العسكري الصهيوني في جبل الشيخ"، لافتًا إلى أن "بعض جنود الاحتلال كانوا يمارسون في الأيام الفائتة، رياضة التزلّج على قمم هذا الجبل، ويطلقون في آنٍ معًا التهديدات بالإطباق على الأراضي اللبنانية، للقضاء على المقاومة".
وفي هذا السياق أيضًا، يؤكد خبير عسكري متابع لمجريات الواقع الميداني أن "النفوذ العسكري والأمني "الإسرائيلي" يلامس العاصمة السورية دمشق، ناهيك عن الاستباحة للأجواء السورية". بالتالي لا يستبعد "استخدام العدو لأي بقعةٍ جغرافيةٍ ليس في الجنوب السوري فحسب، بل في ريف دمشق المتاخم للأراضي اللبنانية أيضًا، يجدها (أي البقعة الجغرافية) مناسبةً لاستهداف المقاومة في لبنان، كطريق جديدة يابوس- المصنع في البقاع الأوسط، أو دير العشاير في البقاع الغربي على سبيل المثال لا الحصر"، ودائمًا بحسب رأي الخبير عينه.
ويختم بالقول: "وما يؤكد صوابية هذا الرأي (أي احتمال لجوء العدو إلى استخدام ريف دمشق لاستهداف الأراضي اللبنانية) هو ما حدث في ليل 6 آذار الفائت، يوم تسلّلت 4 مروحيات تابعة لجيش العدو "الإسرائيلي" من الاتجاه السوري، وعمدت إلى إنزال قوّة مشاةٍ عند مثلّث جرود بلدات يحفوفا، الخريبة، ومعربون، ثم تقدّمت القوّة المعادية في اتجاه الحيّ الشرقيّ لبلدة النبي شيت في البقاع الشمالي، حيث اشتبكت معها مجموعة من مجاهدي المقاومة، وأجبرتها على التراجع، وأفشلت هذا الإنزال".
أيضًا وأيضًا، لا تقتصر التهديدات السورية للبنان على ما ورد آنفًا، فقد نُقل عمّن يسمى بـ "وزير الدفاع في حكومة الجولاني" مرهف أبو قصرة "أن إيران مستمرة يوميًا في التعدّي على سيادة الدولة السورية، وإقدامها على عشرات محاولات تهريب السلاح عن طريق أراضينا إلى حلفائها في لبنان، وهذا لم يعد مقبولًا، وربما يستدعي تدخلًا عسكريًا من الجيش السوري ومواجهةً مباشرةً مع إيران، ونتيجتها ستكون انتصارًا سوريًا حتميًا". وتعقيبًا على ذلك، يكتفي مرجع سوري معارض بالتأكيد أن "قرار زجّ الفصائل التكفيرية السورية في الحرب على المقاومة الإسلامية في لبنان، هو لدى الإدارة الأميركية وحدها دون سواها".
غير أن مصادر عليمة تنقل عن جهات معنية أن "التحرّكات العسكرية الأخيرة على الحدود الشرقية اللبنانية- السورية ليست موجّهةً ضد لبنان، بل تهدف إلى ضبط الحدود وسط الظروف الراهنة في المنطقة، أضف إلى ذلك أن تركيا أعطت أوامرها للفصائل السورية التي تدور في فلك أنقرة، بعدم التدخّل لمصلحة العدو الصهيوني في عدوانه على لبنان"، تختم المصادر.