مقالات
كاتب من مصر
من المفارقات اللافتة في لبنان أنّ مقولة «قوة لبنان في ضعفه»، رغم أنّها لا تليق بأيّ بلد وتُعدّ مسيئة، إلّا أنّ فحواها كان يذهب نحو التوافق، وأنّ بلدًا كلبنان لا يتحمّل الديكتاتورية والانفراد بالرأي والتوجّه. بينما السلطة حاليًا تحاول تطبيق هذه المقولة عمليًا وبشكلٍ انتحاري. ورغم أنّ السلطة لا تتبنّى المقولة والشعار، إلّا أنّها تطبّقهما ولكن بشكلٍ آخر بعيدًا عن التوافق، حيث توحي بأنّ لبنان القوي هو لبنان الضعيف الخالي من المقاومة!
ومن المفارقات المحزنة أنّ السلطة تذهب إلى سلامٍ مزعوم مع العدو، بعد أن تبرّأ العدو من اتفاقياته مع السابقين الذين فرّطوا في الحقوق بدعوى السلام، حيث أعلن العدو تنصّله من اتفاقياته مع السلطة الفلسطينية، وينتهك التزاماته في أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، وكأنّ السلطة تطبّق المثل الساخر القائل: «يطعميك الحجّ والناس راجعة».
ولكنّ الأمر هنا لا يقتصر على هذه المفارقات المؤسفة، لأنّه يتخطّى ذلك ويصل إلى نطاق التهديد المباشر لأمن لبنان وسيادته ومستقبله، وهو ما يتجاوز أيضًا لبنان ليصل بتداعياته إلى إعادة ترتيب المنطقة جيوسياسيًا واستراتيجيًا وفقًا لخطط مشروع «"إسرائيل" الكبرى»، الذي يعتمد العدو فيه بشكلٍ رئيسي على تفريغ لبنان من قوّته واحتلال أراضيه وموارده.
وهنا يمكن تناول أبرز وأخطر التداعيات الكارثية لهذا السلوك السلطوي عبر العناوين الآتية:
أولًا: مخاطر الأمن القومي المباشرة
كما هو معلوم، فإنّ للأمن القومي عدّة مستويات وأبعاد، وتأتي في المقدّمة السيادة الوطنية ووحدة الأراضي، وهو ما يتعرّض لتهديدٍ صهيوني مباشر، وليس تهديدًا محتملًا، بل تهديدٌ واقعي على الأرض بوجود احتلالٍ فعلي يتطلّب تحريرًا، وهو ما لا يجوز وضعه تحت رهانات تفاوضية تحت النار، ولا إحالته إلى وعودٍ أو تسوياتٍ مؤجّلة، وخاصةً إذا كانت هذه التسويات أو الوعود بضماناتٍ أميركية طالما جرى اختبار فشلها وتواطئها مع العدو، ومع عدوٍّ لا يحترم أيّ مواثيق أو عهود. ناهيك عن أنّ الوعود المزعومة تشترط تفريغ لبنان من قوّته والدفع نحو فتنة نزع السلاح.
كما أنّ التهديد الاقتصادي بابتلاع الحقوق وموارد الطاقة عبر ترسيمٍ مغلوط للحدود، مع المطامع الصهيونية المعلنة في المياه وحقول الطاقة في لبنان، يأتي ضمن التهديدات المتقدّمة للأمن القومي.
أمّا الأمر الأخطر والمتعلّق مباشرةً بصلب الأمن القومي، فهو ملف الوحدة الوطنية والتوافق السياسي في بلدٍ له حساسيّاته مثل لبنان.
ثانيًا: مخاطر العزلة بعد تنامي المقاطعة الدولية والاستياء من "إسرائيل"
لا تعاني السلطة في لبنان، بخيارها الانتحاري، من أزمة شرعية داخلية بتجاوز الدستور واتفاق الطائف فقط، بل هي معرّضة أيضًا لأزمة شرعية دولية وعزلة خارجية بتفاهماتها مع مجرم حرب مثل نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وفي توقيتٍ فقدت فيه "إسرائيل" غالبية الرأي العام العالمي بعد افتضاح سرديتها الكاذبة وممارساتها الإجرامية، وهو ما خلق حالةً عالمية من الاستياء والغضب أسفرت عن تنامي المقاطعة الدولية للكيان.
ولم تقتصر حالة الاستياء من العدو الصهيوني على الاحتجاجات الغاضبة والتظاهرات، بل وصلت إلى إجراءاتٍ اقتصادية وعسكرية في دولٍ غربية، لم يكن مطروحًا أن تصل علاقاتها بالعدو إلى هذه الدرجة من التوتّر والقطيعة.
وإلى جانب الغضب غير المسبوق تاريخيًا داخل أميركا وجامعاتها، وإلى جانب المواقف التاريخية لأميركا اللاتينية، بغالبية دولها ومواقفها المناهضة للصهاينة، دخلت أوروبا أيضًا على الخط عبر منظّماتها، مثل المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي طُرحت فيها مقترحات لفرض عقوبات على "إسرائيل"، وطلبات بتعليق اتفاقية الشراكة تزعّمتها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، إضافةً إلى المقاطعة الثقافية والأكاديمية والرياضية، وإجراءات وصلت إلى حدّ سحب السفراء كما فعلت إسبانيا.
ناهيك عن مروق "إسرائيل" عن المنظّمات الأممية وانسحابها من عددٍ من الوكالات التابعة للأمم المتحدة، حيث انسحبت من سبع وكالات كلّها على علاقة بحقوق المرأة والطفل والحضارة والتنمية، وهو ما يعني عزلةً حضارية وحقوقية.
ولا شكّ أنّ الهرولة نحو إقامة علاقاتٍ وعقد اتفاقات مع حكومةٍ مشبوهة ومجرمة ومعزولة دوليًا هي نوعٌ من انعدام الكياسة السياسية وخطأٌ استراتيجي بالغ الخطورة، وله انعكاساته على الشرعية الدولية ومظهر الدولة اللبنانية.
ثالثًا: المخاطر على ملف توطين اللاجئين
يُعدّ ملف توطين اللاجئين الفلسطينيين من أخطر الملفات التي يسعى العدو الإسرائيلي، برعايةٍ أميركية، إلى تنفيذها، لأنّه إسقاطٌ لحق العودة التاريخي، وبمثابة تصفيةٍ للقضية الفلسطينية.
ورفض توطين الفلسطينيين في لبنان هو محلّ إجماعٍ وطني، وإن اختلفت الدوافع، حيث يعتبره البعض عبئًا، بينما تعتبره المقاومة إسقاطًا لحق العودة، لكنّ المحصّلة أنّه من القضايا النادرة التي حظيت بإجماعٍ لبناني.
ولا شكّ أنّ إقدام الدولة في لبنان على الاعتراف بالكيان هو اعترافٌ بشرعية الاحتلال، وخاصةً أنّ الدولة تذهب بلا مرجعية ولا مظلّة عربية ولا لبنانية، وهو ما يشرعن مساعي العدو وضغوطه بشأن توطين اللاجئين، وهو ما طرحه ترامب منذ ولايته الأولى عبر إغراءاتٍ مالية، واليوم قد يُفرض بحكم الأمر الواقع مع سلطةٍ تتفاوض بشكلٍ مباشر ومن دون أوراق قوّة، وهو ما يجعلها رهينةً للمساومات.
رابعًا: الأرجنتين عبرةٌ لمن يعتبر
لعلّ سلوك العدو الصهيوني تجاه الأرجنتين هو أحدث عبرةٍ يمكن أن تعتبر بها الدول في تحرّكاتها تجاه الكيان الصهيوني، فقد أقدمت الأرجنتين، عبر رئيسها الصهيوني خافيير ميلي، على كسر العزلة الإسرائيلية في أميركا اللاتينية، وابتكرت اتفاقياتٍ على غرار الاتفاقات الإبراهيمية سُمّيت «اتفاقيات إسحاق». وفي ذروة هذه الإجراءات فوجئت الأرجنتين بخيانةٍ صهيونية عبر مشاركة الكيان في مشروعاتٍ نفطية بجزر فوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا، وهو ما اعتبرته الأرجنتين بيعًا وخيانةً، فجمّدت على أثره إجراءات نقل سفارتها إلى القدس المحتلة وتوتّرت علاقاتها بالكيان.
الخلاصة أنّ هذا الكيان الصهيوني وراعيه الأميركي لا يعترفان إلّا بلغة القوّة، ولا يشفع لديهما الضعف والتودّد والارتهان، بل يغريهما ذلك بالمزيد من الانتهاك والاستباحة عند أقرب فرصة وأقرب مصلحة اقتصادية أو توسّعية، ولطالما كانت نهايات من هرول إليهما نهاياتٍ مأساوية.