خاص العهد
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المواجهة على الجبهة الجنوبية، وما تفرضه المقاومة من معادلات ميدانية جديدة أربكت حسابات الاحتلال "الإسرائيلي"، برزت المحلّقات الانقضاضية المزوّدة بكاميرات الرؤية الحرارية الليلية لتكون أحد أبرز عناصر التفوّق العملياتي في الميدان.
هذه المحلّقات لم تعد مجرد وسيلة هجومية تقليدية، لقد تحوّلت إلى أداة استطلاع واستهداف دقيقة، أسهمت في تغيير قواعد الاشتباك وإفقاد الاحتلال إحدى أهم ميزاته التكتيكية في حرية الحركة والمناورة ليلًا.
في هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد المتقاعد علي أبي رعد، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن المقاومة استطاعت، خلال الأشهر الأخيرة، تحقيق اختراق نوعي على المستوى التكنولوجي والعملياتي، انعكس مباشرة على أداء قوات الاحتلال وقدرتها على تنفيذ أهدافها الميدانية. ويرى أن المعضلة الأساسية، والتي تواجه جيش الاحتلال بعد أشهر من القتال، هي نجاح المقاومة في تشغيل المحلّقات الانقضاضية وتوجيهها بدقة نحو أهداف نقطية ثابتة ومتحركة، مشيرًا إلى أن هذا الأمر شكّل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا للمنظومة العسكرية "الإسرائيلية".
يشير الخبير إلى أنه بعدما فقدت الدروع والآليات الثقيلة قدرًا كبيرًا من قيمتها القتالية، أمام هذا النوع من الأسلحة، أصبحت الدبابات وناقلات الجند المدرعة والتجمعات العسكرية أهدافًا مكشوفة يمكن الوصول إليها واستهدافها بدقة عالية، في وقت تعاني فيه منظومات الرصد والدفاع الجوي "الإسرائيلية" عجزًا واضحًا في اكتشاف هذه المحلّقات أو التعامل معها بفاعلية.
ويوضح أن المقاومة لم تكتفِ باستهداف القوات البرية، أيضًا نجحت في توجيه ضربات مباشرة إلى منظومات الدفاع الجوي "الإسرائيلية"، منها منصات القبة الحديدية، الأمر الذي زاد من حجم التحديات التي تواجهها المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية". ويضيف أن ما كان يُنظر إليه في السابق تفوقًا تكنولوجيًا "إسرائيليًا" مطلقًا، بدأ يتعرض لتآكل واضح بفعل الأساليب القتالية التي اعتمدتها المقاومة والقدرة على تطوير أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
يؤكد "أبي رعد" أن التحوّل الأبرز، في مسار المواجهة، هو إدخال كاميرات الرؤية الحرارية الليلية إلى المحلّقات الانقضاضية، فهذه الخطوة نقلت الحرب إلى مرحلة جديدة بالكامل. ويوضح أن الاحتلال كان يعتمد، بصورة أساسية، على الحركة الليلية لتقليل احتمالات الرصد والاستهداف، بعدما باتت تحركاته النهارية مكشوفة أمام المقاومة، إلا أن الكاميرات الحرارية ألغت هذه الأفضلية، بصورة شبه كاملة، وحولت الليل إلى ساحة مكشوفة أمام وسائل الاستطلاع التابعة للمقاومة.
ويشرح أن هناك فرقًا جوهريًا بين الكاميرات الليلية التقليدية وكاميرات التصوير الحراري المستخدمة حاليًا. الكاميرات الليلية العادية تعتمد على تجميع الضوء الطبيعي الصادر عن القمر أو النجوم؛ ثمّ تضخيمه لإنتاج صورة واضحة، ما يجعلها بحاجة إلى حد أدنى من الإضاءة كي تعمل بفعالية. أما الكاميرات الحرارية؛ فتعمل وفقًا لمبدأ مختلف كليًا، حيث تعتمد على التقاط الإشعاعات الحرارية المنبعثة من الأجسام وتحويلها إلى صور رقمية، ما يسمح لها بالعمل في الظلام الدامس، ومن دون الحاجة إلى أي مصدر ضوئي خارجي.
كذلك يلفت الخبير إلى أن تقنية التصوير الحراري المعروفة باسم FLIR تتيح للمحلّقات رصد الأهداف البشرية والآليات العسكرية، بوساطة الفروقات الحرارية بينها وبين البيئة المحيطة. كما أنها قادرة على اختراق الدخان والضباب والغبار وكشف الأهداف المموهة أو المختبئة داخل الأحراج وبين التضاريس الطبيعية. ويرى أن هذه الميزة تحديدًا هي التي جعلت وجود القوات "الإسرائيلية"، في جنوب لبنان، أكثر تعقيدًا وخطورة، لأنها حرمتها من إمكان الاختباء أو الإفادة من الطبيعة الجغرافية لتقليل خطر الاستهداف.
ويقول "أبي رعد" إن دخول هذه التكنولوجيا إلى ميدان القتال حوّل وجود الاحتلال في الجنوب إلى ما يشبه "الحصار التكتيكي"، حيث أصبحت أي محاولة لتثبيت نقاط ارتكاز أو إنشاء مواقع متقدمة عملية شديدة الكلفة ومحفوفة بالمخاطر. إذ إن المقاومة باتت قادرة على مراقبة مساحات واسعة من الميدان واستهداف التحركات بدقة، الأمر الذي جعل أي تمركز ""إسرائيلي"" ثابت هدفًا محتملًا في أي لحظة.
ويبيّن أن مشاهد الفيديو، والتي بثّها الإعلام الحربي للمقاومة في المرحلة الأخيرة، تؤكد حجم التحول الذي طرأ على ميزان القوى الميداني، حيث أظهرت قدرة واضحة على مراقبة الجنود "الإسرائيليين" واستهدافهم في أثناء تنقلهم. كما كشفت مواقع ونقاط انتشار كان الاحتلال يعتقد أنها بعيدة عن أعين الرصد. ويرى الخبير العسكري أن هذه المشاهد لا تحمل فقط قيمة إعلامية أو دعائية، هي تعكس أيضًا مستوى متقدمًا من السيطرة الاستخبارية والميدانية التي باتت تمتلكها المقاومة.
ويشدد على أن الاعترافات الصادرة عن قادة الاحتلال ومسؤوليه العسكريين، بشأن صعوبة التعامل مع المحلّقات الانقضاضية، تمثل مؤشرًا واضحًا على حجم الأزمة التي يواجهها الجيش "الإسرائيلي". إذ بعد عقود من الحديث عن التفوق التكنولوجي "الإسرائيلي"، يجد الاحتلال نفسه، اليوم، أمام تهديد منخفض الكلفة نسبيًا× لكنّه شديد الفعالية، في وقت يعترف فيه مسؤولون عسكريون بعدم وجود حلول حاسمة أو نهائية لهذه المعضلة.
ويضيف الخبير العسكري أن الاحتلال لجأ إلى مجموعة واسعة من الإجراءات؛ في محاولة للحد من خطر المحلّقات، من بينها نشر مئات آلاف الأمتار من الشبكات الواقية واستخدام وسائل الرصد البصري والصوتي وتطوير رادارات متنقلة واللجوء إلى التمويه بالدخان، فضلًا عن دراسة أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأسلحة المايكرووية عالية الطاقة. هذه الإجراءات كلها، بحسب "أبي رعد"، لم تنجح حتّى الآن في توفير حماية فعّالة أو تغيير الواقع الميداني القائم.
ويرى أن التأثير النفسي للمحلّقات لا يقل أهمية عن تأثيرها العسكري. إذ دفعت جنود الاحتلال إلى تقليص تحركاتهم والعيش دومًا في ترقب دائم، بعدما باتوا يدركون أن أي تحرك أو تمركز يمكن أن يتحول إلى هدف مباشر.
كذلك يشير الخبير إلى أن هذا الواقع انعكس، أيضًا، على الخطط العملياتية "الإسرائيلية"، حيث اضطرّ جيش العدو إلى تقليص قواته العاملة على الجبهة اللبنانية وسحب بعض التشكيلات العسكرية التي كانت تشارك في العمليات البرية. كما يؤكد :أبي رعد: أن المقاومة نجحت بفرض نموذج متقدم من حرب الاستنزاف يقوم على إدارة نيران دقيقة وغير مركزية موزعة على مختلف قطاعات المواجهة، ما يمنع الاحتلال من تحقيق أي اختراق حاسم أو تثبيت موطئ قدم دائم داخل الأراضي اللبنانية.
كما يرى أن طبيعة العمليات التي نفذتها المقاومة، خلال الأشهر الماضية، تعكس اعتمادها على تكتيكات الكر والفر والدفاع المرن، وهي أساليب أثبتت فعاليتها في مواجهة جيش يمتلك تفوقًا جويًا وتقنيًا كبيرًا. وبرأيه أن ما يجري، اليوم، يؤكد انتقال الاحتلال تدريجيًا من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع، بعدما أصبح جزء كبير من جهده العسكري موجهًا لحماية قواته وتأمين انسحابها وتقليل خسائرها، بدلًا من تحقيق أهداف ميدانية جديدة.
كما يلفت إلى أن سلاح الجو "الإسرائيلي" بات يُستخدم، بصورة متزايدة، لتغطية تحركات القوات البرية وتأمينها في أثناء الانسحاب أو عند التعرض لكمائن المقاومة، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في طبيعة المهمّة التي يؤديها.
يختم "أبي رعد" حديثه لموقعنا بالتشديد على أن نجاح المحلّقات الانقضاضية لا يعود فقط إلى التكنولوجيا المستخدمة فيها وحسب، يعود أيضًا إلى الكفاءات البشرية التي تديرها وتشغلها. إذ إن هذه المنظومات تحتاج إلى مشغلين يتمتعون بتركيز عالٍ وسرعة استجابة وقدرة كبيرة على اتّخاذ القرار تحت الضغط، فضلًا عن امتلاكهم خبرات تقنية وعسكرية متقدمة.
ويخلص إلى أن ما حققته المقاومة، في هذا المجال، يمثل إنجازًا نوعيًا سيكون له تأثير طويل الأمد على طبيعة الحروب غير المتماثلة، بعدما تمكّنت من قلب موازين ميدانية؛ كانت تُعد حتّى وقت قريب من المسلمات العسكرية عند الاحتلال "الإسرائيلي".
