عين على العدو
أفادت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية بأن تصريح رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن الانفكاك التدريجي لـ"إسرائيل" عن الولايات المتحدة، "أثار مفاجأة في أوساط الرأي العام "الإسرائيلي"، لكنّه جاء منسقًا مع قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية وصدر بموافقتهم. فهؤلاء يدركون منذ فترة أنه لا مفر من البحث عن نموذج بديل للمساعدة الأمنية الأميركية، في حقبة تميل فيها الولايات المتحدة إلى النزعة الانعزالية، فيما تسعى "إسرائيل" إلى تعزيز استقلالية أكبر لصناعاتها الأمنية".
ووفقًا للصحيفة "تؤكد المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" أن الحدث يُدار بشكل منضبط، وترى أن الوقت قد يكون مناسبًا لصياغة نموذج يحل محل اتفاق المساعدة الأمنية المعروف باسم "مذكرة التفاهم" (MOU)، على نحو يضخ مبالغ مالية كبيرة في الصناعات الأمنية، ولاحقًا في اقتصاد الدولة ككل".
وتوضح الصحيفة: "وُقِّعت مذكرة التفاهم بين "إسرائيل" وإدارة الرئيس باراك أوباما عام 2016، ودخلت حيّز التنفيذ عام 2018، ومن المتوقع أن تنتهي في عام 2028. وقبل دخولها حيّز التنفيذ، كانت "إسرائيل" تتقدّم بطلبات منفصلة إلى الولايات المتحدة للحصول على مساعدات مالية مختلفة، كان الكونغرس يقرّها. إلا أن إدارة أوباما اختارت تجميع جميع تلك الطلبات في اتفاق واحد، التزمت "إسرائيل" بموجبه بعدم التوجّه إلى الكونغرس بطلبات استثنائية إضافية، وهو التزام لم يمنع إدارة الرئيس جو بايدن من إقرار حزمة مساعدات إضافية عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر "2023.
اتّجاهان متعارضان
في الواقع، تقول الصحيفة: "إن "إسرائيل" تُشخِّص وجود اتّجاهين متعارضين داخل الإدارة الأميركية: فمن جهة، تنظر المنظومة الأمنية الأميركية إلى "إسرائيل" بوصفها نوعًا من "حقل تجارب"، تُثبت فيه الصناعات الأميركية قدراتها القتالية ميدانيًا. فعلى سبيل المثال، أنظمة مثل مقاتلات "إف - 35"، التي أثبتت فعاليتها العالية في الحرب، تتحول إلى منتجات مطلوبة في العديد من دول العالم".
وتضيف: "ومن جهة أخرى، تُسمَع داخل الإدارة أصوات ترى أن "إسرائيل" دولة قوية، وبالتالي لا مبرر للاستمرار في ضخ مبالغ طائلة فيها، في وقت يسمح فيه اقتصادها بتمويل احتياجاتها الأمنية ذاتيًا".
الحقيقة في الوسط
وتقول الصحيفة: "على الأرجح أن الحقيقة تقع في المنتصف. ومن أجل تجنّب احتكاك غير ضروري مع الأميركيين، وانطلاقًا من فهم الاتّجاهات الجديدة، تحاول "إسرائيل" بلورة نموذج مساعدات جديد عبر فرق عمل مشتركة، كما أعلن نتنياهو في مقابلة صحفية. ويقود فريق العمل من الجانب "الإسرائيلي" المدير العام لوزارة "الأمن" (الحرب)، اللواء (احتياط) أمير بارعام، إلى جانب ممثلين عن وزارة "الأمن" (الحرب) والجيش ومجلس الأمن القومي. ووفقًا للنموذج الجاري بلورته، ستُفطَم "إسرائيل" تدريجيًا عن أموال المساعدة".
وتتابع: "وبحسب التصور "الإسرائيلي"، ستطلب "إسرائيل" خلال السنوات الخمس الأولى من الاتفاق الجديد مساعدة معززة (لم يُحدَّد حجمها بعد)، تُمكّنها، من بين أمور أخرى، من التزوّد بسرب قتالي إضافي (من طراز إف - 35 أو إف - 15)، وطائرتي تزوّد بالوقود إضافيتين (إضافة إلى ست طائرات التزوّد بالوقود التي جرى شراؤها في إطار الاتفاق السابق)، وسرب واحد أو أكثر من مروحيات "أباتشي" (كعبرة مركزية من الحرب وبالنظر إلى اقتراب مروحيات الأباتشي الحالية من نهاية عمرها التشغيلي)، فضلًا عن مروحيات "يسعور K" المتقدمة الإضافية (حيث ستطلب "إسرائيل" تفعيل خيار شراء ست مروحيات أخرى، إضافة إلى الاثنتي عشرة التي جرى شراؤها بالفعل)".
وتضيف: "وفق هذا المخطّط، سيُستبدل الدعم الأميركي، الذي يُقدَّم حاليًّا على شكل أموال نقدية، بعد انتهاء السنوات الخمس، بشراكات وتعاونات بين الولايات المتحدة والصناعات الدفاعية "الإسرائيلية". وستندمج شركات "إسرائيلية" في تطوير وإنتاج وسائل قتالية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي -مثل برنامج "القبة الذهبية" الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب- إضافة إلى برامج الدفاع ضدّ الطائرات المسيّرة وغيرها".
خطط بأحجام فلكية
ووفقًا للصحيفة فإن "الحديث يدور عن صفقات وبرامج بأحجام فلكية، ووفق التقديرات في "إسرائيل"، فإذا نُفِّذ هذا الدمج كما هو مخطّط له، فقد يكون العائد "الإسرائيلي" أعلى حتّى مما يدرّه اتفاق مذكرة التفاهم (MOU)، وذلك من خلال إيرادات ضريبية ستُجبى من الصناعات الأمنية، وضخ موارد كبيرة في مجالات البحث والتطوير، فضلًا عن خفض تكاليف المنظومات التي يقتنيها الجيش".
إلا أن الصحيفة مع ذلك، رأت أن "لهذه الخطوة سلبيات أيضًا. ففي حال تنفيذها، ستُضطر "إسرائيل" إلى تمويل الطائرات القتالية المقبلة التي ستشتريها، بعد استكمال الصفقات المطروحة حاليًّا، بالشيكل لا بالدولار، ما سيستدعي زيادة كبيرة ومفصلية في ميزانية "الأمن" (الحرب).
وتقول: "صحيح أن المنظومة الأمنية تقدّر أن إيرادات الدولة من الضرائب، نتيجة دمج الصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة، ستعوض ذلك، إلا أنه ينبغي التذكير بالصراعات السنوية الدائرة بين وزارتي "الأمن" (الحرب) والمالية على كلّ شيكل. فعليًا، لا توجد آلية تُلزِم بتحويل عائدات ضرائب الشركات الدفاعية مباشرة إلى المنظومة الأمنية لغرض التسلّح والتجهيز".
وتخلص الصحيفة إلى "أن الصورة تبدو معقّدة: فالنموذج الآخذ في التبلور ينطوي على سلبيات وإيجابيات وفرص كبيرة. فكلما طوّرت الصناعات الأمنية "الإسرائيلية" منظومات من دون تمويل أميركي، تراجعت حاجة "إسرائيل" إلى الحصول على موافقة واشنطن لبيع تلك المنظومات إلى دول ثالثة".
وتختم: "في ضوء التطورات داخل الإدارة الأميركية والحاجة الأميركية إلى "الأخذ لا العطاء فقط"، تدرك المؤسسة الأمنية أن هذا هو الاتّجاه الصحيح. وهي تشدد على الإمكانات الكامنة في السوق الأميركية، وتقدّر أن المؤسسة الأمنية ستحقق مكاسب إضافية مهمة، إلى جانب تعزيز استقلالية الصناعات الدفاعية في "إسرائيل" وزيادة متانتها وقدرتها على الصمود" على حد تعبير الصحيفة.