اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لماذا تتجنب المقاومة فخ الاستدراج الصهيوني؟

مقالات

ما مفهوم الوطنية في ظل العدوان
مقالات

ما مفهوم الوطنية في ظل العدوان "الإسرائيلي" والهيمنة الأميركية؟

111

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

في زمن الحروب لا يعود مفهوم "الوطنية" ترفًا لغويًا ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل يتحوّل إلى ميزان أخلاقي وسياسي تُوزَن به المواقف قبل الكلمات. وفي ظلّ الحرب "الإسرائيلية" المتكرّرة على لبنان، ومع ما يرافقها من هيمنة أميركية مباشرة أو غير مباشرة على القرار الدولي والإقليمي، يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا: كيف يمكن تصنيف اللبناني إذا كان وطنيًا أم لا؟

الوطنية اليوم لم تعد مرتبطة فقط برفع العلم أو ترداد الأناشيد، بل تتجسّد أولًا في الموقف من العدوان. فالوطنية، في أبسط تعريفاتها، هي الانحياز الواضح وغير الملتبس إلى حقّ لبنان في السيادة، وفي الدفاع عن أرضه وشعبه وموارده. كل من يبرّر العدوان الإسرائيلي، أو يساوي بين الضحية والجلاد، أو يتعامل مع القصف والاغتيال والتدمير بوصفها أحداثًا عابرة أو أثمانًا ضرورية لاستقرار مزعوم، يكون قد خرج من جوهر الوطنية، مهما ادّعى غير ذلك أو احتمى خلف شعارات براقة.

اللبناني الوطني هو من يرى في "إسرائيل" عدوًا، لا "جارًا مزعجًا" ولا "دولة يمكن التفاهم معها تحت النار". لأن هذا العداء ليس نتاج عاطفة أو خطاب تعبوي، بل قائم على وقائع ثابتة: احتلال أراضٍ لبنانية، اعتداءات متكرّرة برًا وبحرًا وجوًا، انتهاك دائم للسيادة، ورفض لأي التزام فعلي بالقوانين والقرارات الدولية، وكل ذلك تحت مظلّة حماية أميركية سياسية وعسكرية ودبلوماسية. من يتغاضى عن هذه الوقائع، أو يراهن على حسن نوايا القوة التي تدمّر بلاده وتمنع عنه حقه في الدفاع، إنما يتخلّى عن الحدّ الأدنى من الانتماء الوطني.

لكن الوطنية، في المقابل، لا تعني الاصطفاف الأعمى ولا تقديس أي جهة داخلية أو خارجية. فالوطني ليس من يبرّر الفساد بحجة "الظرف الصعب"، ولا من يصمت عن سرقة الدولة وتهشيم مؤسساتها بحجة "المعركة الكبرى". الوطنية الحقيقية لا تفصل بين مواجهة العدوان الخارجي وضرورة بناء دولة قوية وعادلة في الداخل. ومن ينهب شعبه أو يغطّي الناهبين، حتى لو رفع رايات السيادة والمقاومة، يسقط وطنيًا كما يسقط من يبرّر العدوان أو يروّج له.

وفي ظل الهيمنة الأميركية، يُختبر اللبناني أيضًا في موقفه من الاستقلال السياسي. فالوطني هو من يرفض أن يكون لبنان مجرّد ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، أو ساحة لتبادل الرسائل، أو صندوق بريد للمصالح الدولية والإقليمية. ليس المطلوب القطيعة مع العالم ولا العداء مع المجتمع الدولي، بل المطلوب رفض التبعية، ورفض تحويل المساعدات والضغوط والعقوبات إلى أدوات ابتزاز تُستخدم لكسر الإرادة الوطنية وإخضاع القرار السيادي.

الوطنية اليوم تُقاس كذلك بالخطاب والمسؤولية العامة. فكل خطاب يحرّض على الانقسام الداخلي في لحظة عدوان، أو يزرع الكراهية بين اللبنانيين، أو يشيطن فئة من الشعب خدمة لأجندات خارجية، هو خطاب غير وطني مهما لبس من عناوين سيادية أو إصلاحية. فالحياد لا يكون بين محتلّ ومُحتل، ولا بين قصف وصمود، ولا بين عدوان ودفاع. الحياد الحقيقي موقف أخلاقي، وليس تهرّبًا من تسمية الأشياء بأسمائها.

في الخلاصة، يمكن تصنيف اللبناني الوطني اليوم من خلال ثلاث بوصَلات واضحة لا تحتمل الالتباس: موقفه من العدو "الإسرائيلي"، موقفه من السيادة والاستقلال في وجه الهيمنة الأميركية، وموقفه من بناء دولة عادلة غير فاسدة تحمي كرامة مواطنيها. من تجتمع لديه هذه البوصلات، فهو وطني مهما اختلفنا معه في الخيارات السياسية أو التفاصيل الداخلية. أمّا من تختلّ عنده إحداها، فوطنيته تبقى موضع سؤال، مهما ارتفع صوته أو كثرت شعاراته.

في زمن النار والحصار، لا تُقاس الوطنية بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نقوله عن العدو، وعن الوطن، وعن كرامة الناس الذين يعيشون تحت القصف، ويدفعون ثمن الصراعات بدمهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة