اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ترامب استبعد دعم ماتشادو لرئاسة فنزويلا بسبب قبولها جائزة "نوبل للسلام"

نقاط على الحروف

الاعتراف
نقاط على الحروف

الاعتراف "الإسرائيلي" بأرض الصومال كوظيفة جيوسياسية: قراءة في سيناريوهات ما بعد غزّة

929

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

لا يمكن قراءة إعلان كيان الاحتلال "الإسرائيلي" الاعتراف بما يُسمّى "جمهورية أرض الصومال" كدولة مستقلة خارج السياق البنيوي الأوسع الذي يحكم السلوك "الإسرائيلي" في النظام الدولي، ولا بمعزل عن لحظة تاريخية تتسم بتفكك المعايير القانونية، وانكشاف ازدواجية الخطاب الغربي، وتحويل الأزمات الإنسانية إلى أدوات تفاوض جيوسياسي. فالاعتراف، في جوهره، لا يتعلق فقط بإقليم انفصالي في القرن الإفريقي، بل يكشف عن منطق أعمق يقوم على إعادة إنتاج نموذج الاستعمار الاستيطاني ذاته، ولكن بأدوات جديدة ومسارح جغرافية مختلفة.

الاعتراف كأداة سياسية لا كفعل قانوني

منذ تأسيسها، تعاملت "إسرائيل" مع القانون الدولي لا بوصفه منظومة ملزمة، بل كحقل انتقائي يُستخدم حين يخدم مصالحها ويُتجاهل حين يتعارض معها. الاعتراف بـ"أرض الصومال"، وهي كيان غير معترف به دوليًا ومنفصل عن دولة عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، يُعد امتدادًا لهذا النهج. فالخطوة لا تستند إلى مبدأ "حق تقرير المصير" كما تدّعي الرواية "الإسرائيلية"، بل إلى منطق القوّة والوظيفة الجيوسياسية.

في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، يُفترض أن الاعتراف بالدول يرتبط بتوافر شروط السيادة والاستقرار والقبول الدولي. لكن في الحالة "الإسرائيلية"، يتحول الاعتراف إلى أداة لإعادة تشكيل الخرائط السياسية، وكسر الإجماع الدولي حول وحدة الدول، وخلق سوابق قانونية يمكن توظيفها لاحقًا لتبرير سياسات أكثر خطورة، وفي مقدمتها التهجير القسري للفلسطينيين.

من فلسطين إلى القرن الإفريقي: استمرارية المشروع

الربط بين الاعتراف بأرض الصومال ومشاريع تهجير الغزاويين ليس افتراضًا دعائيًا، بل يستند إلى تاريخ طويل من التفكير "الإسرائيلي" في "الحلول الجغرافية" للقضية الفلسطينية. فمنذ النكبة، لم تتوقف محاولات نقل الفلسطينيين خارج أرضهم، سواء عبر مشاريع التوطين في سيناء أو الأردن أو العراق، أو عبر مقاربات أكثر حداثة تُسوَّق بلغة "التهجير الطوعي" و"إعادة التوطين الإنساني".

الجديد في السياق الراهن هو تلاقي هذه الأفكار مع لحظة دولية مضطربة، ومع حرب إبادة في غزّة خلقت دمارًا شاملًا يُستخدم الآن كذريعة لإعادة طرح سيناريوهات الترحيل. في هذا الإطار، تبرز "أرض الصومال" كمساحة محتملة لتجريب هذا النموذج: كيان هش، يبحث عن شرعية دولية، يقع في منطقة إستراتيجية، ويمكن إغراؤه بالاعتراف والدعم الأمني مقابل أدوار وظيفية تتجاوز قدرته على الرفض.

الجغرافيا بوصفها قدرًا سياسيًا

لا يمكن فصل الاعتراف "الإسرائيلي" بـ"أرض الصومال" عن الموقع الجغرافي الحساس للإقليم عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب. هذه المنطقة ليست فقط ممرًا ملاحيًّا، بل شريان حيوي للتجارة العالمية، ومسرح صراع مفتوح في ظل المواجهة مع اليمن، وتصاعد التوترات البحرية، وانكشاف هشاشة الأمن البحري الغربي.

من هذا المنظور، يسعى كيان الاحتلال إلى توسيع نطاق حضوره خارج محيطه التقليدي، عبر بناء شبكة مواقع نفوذ تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي. وهذا الحضور لا يهدف فقط إلى تأمين الملاحة، بل إلى فرض معادلات ردع جديدة، وتطويق خصوم إقليميين، وفي الوقت ذاته خلق مساحات بديلة لإدارة أزمات ناتجة عن سياساته الاستيطانية، وعلى رأسها أزمة غزّة.

التهجير كسياسة بنيوية لا كحل مؤقت

في الفكر النقدي، لا يُنظر إلى التهجير بوصفه نتيجة جانبية للحروب، بل كسياسة واعية تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي بما يخدم موازين القوّة. من هذا المنطلق، فإن الحديث عن تهجير الغزاويين، سواء إلى "أرض الصومال" أو غيرها، لا يمكن فصله عن المنطق الاستعماري الذي يرى في السكان الأصليين "مشكلة" يجب إدارتها أو إزاحتها.

التقارير التي تحدثت عن ربط الاعتراف "الإسرائيلي" بـ"أرض الصومال" باستيعاب سكان غزّة، حتّى وإن نُفيت رسميًا من بعض الأطراف، تعكس على الأقل وجود نقاش جدي داخل الدوائر "الإسرائيلية" حول هذا الخيار. فالإنكار هنا لا ينفي التفكير، بل يؤجله أو يعيد صياغته بلغة أقل فجاجة.

الولايات المتحدة: الحليف المتحفّظ لا المعارض

الموقف الأميركي المتحفّظ من الاعتراف "الإسرائيلي" لا يعني رفضًا مبدئيًا، بل يعكس حسابات براغماتية تتعلق بالتوقيت والكلفة السياسية. فالولايات المتحدة، التي طالما دعمت سياسات "إسرائيل" التوسعية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقّدة: من جهة، لا تريد فتح جبهة انفصالية جديدة في إفريقيا تهدّد الاستقرار الإقليمي وتستفز حلفاءها؛ ومن جهة أخرى، لا ترغب في كبح الاندفاع "الإسرائيلي" بشكل صريح.

هذا التردّد الأميركي يُعيد إلى الأذهان نمطًا مألوفًا في السياسة الخارجية الأميركية، حيث تُترك لـ"إسرائيل" مساحة اختبار الأفكار المثيرة للجدل، مع الاحتفاظ بحق التدخل أو التراجع لاحقًا. وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف بـ"أرض الصومال" تجربة أولية لقياس ردود الفعل الدولية، قبل الانتقال إلى خطوات أكثر خطورة تتعلق بغزّة.

الرفض الإقليمي والدولي: حدود القوّة "الإسرائيلية"

على الرغم من محاولات التسويق "الإسرائيلية"، قوبلت خطوة الاعتراف برفض واسع من الدول العربية والإفريقية، ومنظمات إقليمية كالاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي. هذا الرفض لا ينبع فقط من التضامن مع الصومال، بل من إدراك عميق لخطورة فتح باب الانفصال والتهجير في عالم يعاني أصلًا من تفكك الدول وتصاعد النزاعات.

لكن، كما يُظهر التاريخ، فإن الرفض السياسي لا يكون دائمًا كافيًا لوقف المشاريع الاستعمارية إذا لم يُترجم إلى سياسات ردع حقيقية. فـ"إسرائيل" لطالما راهنت على أن الزمن كفيل بتطبيع الوقائع، وأن الإرهاق الدولي سيحوّل "الاستثناء" إلى قاعدة.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الدولة الوحيدة التي لم تُدن "إسرائيل" بشكل لافت كانت الإمارات العربية المتحدة، وهي أيضًا عضو في "اتفاقيات أبراهام". ولم يكن هذا الأمر مصادفة؛ إذ تشير تقارير في السنوات الأخيرة إلى أن الإمارات طوّرت علاقات مع "أرض الصومال"، رغم أنها لم تعترف بها رسميًا دولةً مستقلة.

وتدير الإمارات قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية على خليج عدن. وقد وافق برلمان "أرض الصومال" في عام 2017 على إنشاء هذه القاعدة. ومنذ ذلك الحين، وبحسب تقارير دولية، أسهمت المنشأة في دعم العمليات الإماراتية في اليمن. وتقع بربرة على بُعد نحو 250 كيلومترًا جنوب اليمن، ما يمنح الوجود الإماراتي هناك قيمة إستراتيجية كبيرة.

سيناريوهات ما بعد غزّة

في ضوء ما سبق، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لوظيفة الاعتراف "الإسرائيلي" بـ"أرض الصومال" في مرحلة ما بعد غزّة:

سيناريو المنصة الأمنية: تتحول "أرض الصومال" إلى قاعدة استخباراتية ولوجستية متقدمة لـ"إسرائيل"، تُستخدم لمراقبة باب المندب واليمن، دون إعلان وجود عسكري رسمي، تفاديًا للصدام مع القوى الإقليمية.

سيناريو الصفقة الجغرافية: يُعاد إحياء ملف التهجير في مرحلة لاحقة، ضمن تسوية دولية مفروضة، تُستخدم فيها "أرض الصومال" - أو التلويح بها - كورقة ضغط، لا كحل نهائي بالضرورة.

سيناريو الفشل الوظيفي: يفشل الاعتراف في تحقيق أهدافه، بفعل الرفض الإقليمي والدولي، واستحالة فرض واقع انفصالي مستقر، ما يجعل الخطوة عبئًا سياسيًا أكثر منها مكسبًا إستراتيجيًا.

في النهاية، يكشف الربط بين الاعتراف بـ"أرض الصومال" ومشاريع تهجير الغزاويين عن أزمة أعمق تتعلق بفشل النظام الدولي في حماية المبادئ التي يدّعي الدفاع عنها. فحين تُستخدم الجغرافيا كحل لمشكلة ناتجة عن جريمة، وحين يُكافأ الانفصال مقابل أداء وظائف أمنية أو ديمغرافية، يصبح الحديث عن القانون الدولي مجرد خطاب فارغ.

غزّة، في هذا السياق، ليست فقط ساحة حرب، بل مرآة تعكس مدى استعداد العالم لقبول إعادة إنتاج التهجير كأداة سياسية مشروعة. والاعتراف بـ"أرض الصومال"، مهما بدا بعيدًا جغرافيًا، يدخل في هذا المسار بوصفه حلقة في سلسلة طويلة من محاولات إعادة رسم الخرائط على حساب الشعوب.

إن مواجهة هذا المسار لا تتطلب فقط رفضًا سياسيًا أو بيانات إدانة، بل تفكيكًا جذريًا للخطاب الذي يشرعن التهجير ويعيد تسويقه بأسماء جديدة. فالتاريخ، كما يعلّمنا، لا يرحم أولئك الذين يقفون على الحياد حين تُعاد كتابة الخرائط بدماء الضحايا.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الصراع هنا بـ"أرض الصومال" وحدها، بل بمستقبل النظام الدولي نفسه: هل يُسمح لقوة احتلال بإعادة رسم الخرائط وفق مصالحها، أم أن مقاومة هذا المنطق - في فلسطين والقرن الإفريقي واليمن وإيران ولبنان - ستفرض حدودًا جديدة للقوة؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يتجاوز غزّة، لكنّه يبدأ منها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة